الرّابع أنّه تعالى أراد منهم الكفر لأنّه أراد خلقهم وإرادة السّبب إرادة للمسبّب فيمتنع مع ذلك إرادة الإيمان منهم لاستحالة إرادة الضدّين وأمّا بطلان التالي فبالضّرورة والإجماع هذا وأنت بعد ما هديناك إلى الصّراط المستقيم وبينا لك البيان القويم الَّذي يتحير لديه الذّهن السّليم والفهم المستقيم استرحت عن مئونة الدّفع لهذا الإشكال الجسيم وفرغت عن الدّخول إلى ذلك التشاجر العظيم وإن شئت إعادة الكلام لتوضيح المقصود وتنقيح المرام فنقول إنّ غاية آمالهم إثبات عدم إرادته تعالى منهم الإطاعة ونحن إن سلَّمنا منهم ذلك وأغمضنا عمّا فيه من وجوه الضّعف والفساد ببطلان تلك الوجوه المستدلّ عليها وتنزلنا عن ذلك كلَّه مماشاة لهم فنمنع الملازمة المذكورة على التقدير المذكور أيضا وذلك لما عرفت من أن استعمال الصّيغة بإزاء الإرادة لا يعتبر فيه وجودها في الخارج أبدا بل وتستعمل فيها على التقديرين ولا يلزم ارتكاب مجاز نعم في صورة عدم تحققها لا بدّ من كونه لغرض سوى بعث المأمور إلى الإتيان بالمأمور به وذلك الغرض يختلف باختلاف الموارد فقد يكون للامتحان وقد يكون للتسجيل وأمر الكافر من قبيل الأخير فالصّيغة هنا أيضا مستعملة فيما وضعت له لغرض التّسجيل وذلك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن بيّنة وإن قلت إن مجرّد التسجيل من دون تعلَّق إرادته تعالى كيف يصحّ العقاب والحال أنّهم معاقبون على ترك الإطاعة اتفاقا قلت أوّلا إنّ الكلام في المقام متعلَّق بحقيقة الأمر ومجازه وأنّه موضوع لما ذا هل هو الإرادة أو شيء آخر يسمّى بالطَّلب وتعيين مصحّح العقاب خارج عمّا نحن فيه وثانيا إن الَّذي يقتضيه التحقيق أن العقاب إنّما هو مترتب على المخالفة والعصيان واستحقاق العقاب يدور مدار المخالفة وهي إنّما تحصل بمخالفة الأمر الكاشف عن الإرادة الآمر سواء كانت موجودة في الواقع أم لا لأنّ المأمور لا يدري بحقيقة الحال ويجب عليه البناء على وجودها والأخذ بظاهر الأمر الكاشف عنها بمقتضى الوضع فإذا علم بذلك فلا عذر له في المخالفة والعصيان إذ التكليف والطَّلب والإلزام وغيرها من العناوين المقتضية لوجوب الامتثال كلَّها تحصل بذلك وإن كانت من العناوين الثانوية كيف ولو لا ذلك لم ينفع القول بمغايرة الطَّلب للإرادة أيضا لأنّ الطلب المجرّد عن الإرادة كيف يصحّح العقاب على زعم السّائل ولو قال إنّه يكفي فقد اعترف بعدم ورود السّؤال لأنا نقول إن توجيه الأمر الكاشف عن الإرادة كاف في تحقق الطلب والتكليف على مذهبنا أيضا ولا يحتاج إلى إثبات مدلول إنشائي نفساني في نفس الأمر بل هو على مذهبنا أولى بالكفاية لجواز تخلَّف الأمر عن الطَّلب الَّذي يجعلونه مدلولا للأمر على مذهبهم وعدم إمكان التخلَّف على مذهبنا لأنّه من العناوين الثانوية الَّتي لا يتخلف عن الأمر الكاشف عن الطَّلب سواء كان هو عين الإرادة أو غيرها والحاصل أنّ السّائل يقول إن الطلب هو الَّذي يترتب عليه الذمّ والعقاب ونحن أيضا نقول بذلك وإنّما الفرق بيننا أنّه يدعي أن الطَّلب مدلول لصيغة الأمر ونحن نقول إنّه عنوان ثانوي يحدث بحدوث الأمر الكاشف عن الإرادة ولو لم يكن في الواقع إرادة فإنّه أمر يدور مدار مقتضياتها في الواقع وأمّا عنوان التكليف والطَّلب فلا يتخلف عن الأمر الكاشف عنها بمقتضى الوضع وثالثا أنّ عدم إرادته تعالى منهم الإيمان مسبّب عن علمه بعصيانهم ويأسه عن صدور الإيمان منهم وهما معلولان لاختيارهم الترك فهو في الحقيقة مستند إلى سوء اختيارهم وخبث سريرتهم لا لأنّ الفعل خال عن المصلحة النفس الأمرية في نفسه فالفعل من حيث هو محبوب عنده ذا مصلحة ولكنّه ما أراده منهم لعلمه بعدم إقدامهم الإتيان به فعدم إرادته الناشئ عن عصيانهم ومخالفتهم لا ينافي لاستحقاقهم العقاب وبهذا يحصل الفرق بين الأوامر التسجيلية والأوامر الامتحانية ضرورة أن عدم إرادة الأمر في الأمر الامتحاني إنّما هو لعدم محبوبيّة نفس الفعل المأمور به في نفسه وخلوّه عن المصلحة من حيث هو ومن ذلك يمكن القول بعدم العقاب على ترك المأمور به في الأمر الامتحاني فقال هذا كلَّه بعد المساعدة على عدم تعلَّق إرادته تعالى بإيمان الكافر وطاعته وأصحابنا لا يرضون بذلك بل أطبقوا على وجود الإرادة وأن علمه تعالى بعصيانهم وكفرهم لا ينافي إرادة الإيمان منهم في حال القدرة والاختيار والأدلَّة المستدلّ بها كلَّها مزيفة مجزفة لوجوه وافية كافية شافية مذكورة في الكتب الكلاميّة وليس المقام مناسبا للتعرّض لها فإنّ التعرّض في ذلك ينجر إلى البحث في مسألة الجبر والتفويض وله مقام آخر والحاصل أن المقدّمة المذكورة من عدم إرادة اللَّه تعالى منهم الإطاعة مقدّمة غير مسلَّمة والأدلَّة المذكورة عليه كلَّها باطلة وإن سلَّمنا أيضا لم يترتب عليها النّتيجة وهي مغايرة الطَّلب للإرادة حسب ما أوضحناه وشرحناه فافهم ولا تغفل الخامس أنّه لو كان الطَّلب عين الإرادة ولم يكن وراءها شيء آخر لزم بطلان عقد المكره وإن تعقّبه الرّضاء والتالي باطل فكذا المقدّم أمّا الملازمة فلأن الإنشاءات كلَّها على نسق واحد من حيث عدم دلالتها على أمر قائم بالنّفس غير الإرادة وما يجري مجراها من الكيفيّات النفسانية الَّتي منها الرّضاء وطيب النفس بمبادلة أو طلاق مثلا بناء على الاتحاد ومن الواضح أن المكره غير راض بمضمون العقد أو الإيقاع فليس هو قاصدا للمعنى الَّذي تزعمون أنّه معنى إنشاء