العناوين والمفاهيم التي أخذت موضوعاً للحكم الشرعي هو واقعها والمعنى الحقيقي لها ، ولا شك في أن العرف لا يفهم من لفظ الإحسان غير ما هو المعنى الحقيقي له . أقول : لا خفاء في كون الظاهر من العناوين هو المعنى الحقيقي لها ، انما البحث في ذلك المعنى الحقيقي ، وانه هل يعتبر فيه القصد والاعتقاد كالعناوين القصدية التي تكون معانيها الحقيقية متقومة بالقصد ، أو يعتبر فيه واقع دفع المضرة ومنعها ، وإن لم يكن مقصوداً بل ولا معتقداً به بوجه ، أو يعتبر فيه كلا الأمرين ؟ هذا والظاهر بحسب نظر العرف هو الأخير ، امّا اعتبار مصادفة الواقع فلا شبهة فيه ، غاية الأمر انه مع عدم المصادفة ربما يكون معذوراً ، ولا يعدّ محسناً ، وأمّا اعتبار القصد فالظاهر أنه ايضاً كذلك ؛ لان العرف لا يرى غير القاصد للإحسان ، بل القاصد للإساءة محسناً بمجرد مصادفة الواقع ، فلو كان السقي في المثال المذكور دفع مضرة بحسب الواقع وإساءة بحسب القصد والاعتقاد ، هل يكون السّاقي عند العرف محسناً ؟ الظاهر لا ؛ فالعرف يرى اعتبار كلا الأمرين ، ولا يكتفي بوجود واحد منهما كما لا يخفى . الجهة الثانية في بيان المراد من مجموع الجملة الواقعة في الآية ، فنقول : الظاهر أن هذه الآية [1] كآية [2] نفي السبيل للكافرين على المؤمنين واقعة في مقام الإنشاء وحاكية عن عدم جعل السبيل على المحسن في الشريعة ، وإن كانت خالية عن لفظ الجعل ، بخلاف آية نفي السبيل ، الَّا ان
[1] سورة التوبة : 92 . [2] سورة النساء الآية : 141 .