ولو كانت أحكام الشريعة في كلّ الوقائع واضحة وضوحاً بديهيّاً للجميع ، لكان تحديد الموقف العملي المطلوب تجاه الشريعة في كلّ واقعة أمراً ميسوراً لكلّ أحد ، ولما احتاج إلى بحث علمي ودراسة واسعة ، ولكن عوامل عديدة منها بُعدنا الزمني عن عصر التشريع أدّت إلى عدم وضوح عدد كبير من أحكام الشريعة واكتنافها بالغموض . [1] وعلى هذا الأساس كان من الضروري أن يوضع علم يتولّى دفع الغموض عن الموقف العملي تجاه الشريعة في كلّ واقعة بإقامة الدليل على تعيينه . وهكذا كان ، فقد أنشئ علم الفقه للقيام بهذه المهمّة ، فهو يشتمل على تحديد الموقف العملي تجاه الشريعة تحديداً استدلاليّاً ، والفقيه في علم الفقه يمارس إقامة الدليل على تعيين الموقف العملي في كلّ حدث من أحداث الحياة ، وهذا ما نطلق عليه اسم عملية استنباط الحكم الشرعي . وهذه العملية تحتاج إلى نوعين من الموجّهات : ( الموجّهات الصورية ، التي تختصّ بهيئة وشكل الاستدلال . ( الموجّهات المادّية ، التي تبيّن مادّة الاستدلال . والموجّهات المادّية على قسمين ، فهي إمّا خاصّة ترتبط بمادّة معيّنة ، يبحثها الفقيه في مسألة تلك المادّة ، فمثلاً في مسألة حرمة النبيذ يفتّش الفقيه هل هناك رواية صحيحة دالّة على أنّ النبيذ حرام ؟ وفي مسألة جواز التيمّم بالصعيد ، يفتّش الفقيه عن كلمة « الصعيد » ألها ظهور في مطلق وجه الأرض ، أم أنّها ظاهرة في خصوص التراب .
[1] بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 7 ص 28 - 41 .