وهذه العمليات التفكيريّه تختلف من علم إلى آخر من حيث المادّة ; لأنّ المادّة في الطبيعيّات هي غير المادّة في اللغة ، لكن توجد جهات صورية متّحدة بين هذه العمليات جميعاً وإن اختلفت موادّها . فمثلاً صورة الشكل الأوّل من القياس الأرسطي نجدها عند العالم الطبيعي ونجدها عند الفيلسوف . فالأوّل يقول : الحديد معدن ، وكلّ معدن يتمدّد بالحرارة ، فالحديد يتمدّد بالحرارة . هذا هو الشكل الأوّل من القياس ، لكنّ المادّة أخذت من عالم الطبيعة . والثاني يقول : العالم متغيّر ، وكلّ متغيّر حادث ، فالعالم حادث . نفس الشكل الأوّل موجود هنا أيضاً إلاّ أنّ المادّة أُخذت من علم آخر موضوعه « الموجود من حيث كونه موجوداً » . إذن هناك اتّحاد في الصورة مع الاختلاف في المادّة ، أي أنّ هناك نكتة واحدة مشتركة بين صورة هذه العملية وصورة تلك العملية ، أي أنّ هناك قوّة موجّهة واحدة وعنصراً مشتركاً يوجّه هذه العملية وتلك ، وهو قانون إنتاج الشكل الأوّل من الأشكال الأربعة في القياس الأرسطي . من هنا أسّس علم المنطق العامّ لأجل أن يدرس عملية التفكير المشتركة بين جميع هذه العلوم مع إسقاط جميع الموادّ ، أي يدرسها من ناحية الصورة والهيئة فقط ؛ بمعنى أنّ علم المنطق يدرس عملية التفكير في الأُمور والأسباب المؤثّرة والموجّهة لعملية التفكير ، بقطع النظر عن هذه المادّة أو تلك ، لأنّ الأسباب التي تكون موجّهة لعملية التفكير المخصوص بمادّة معيّنة يبحثها عالم تلك المادّة ، ولا يبحثها المنطقي بما هو منطقي . هذا هو المنطق البشري العامّ ومنطق كلّ العلوم .