بالموافقة القطعية الوجدانية بترك الاقتحام في جميع الأطراف ، كذلك يحصل بالموافقة القطعية التعبدّية بترك الاقتحام في بعض الأطراف ، مع الإذن الشرعي في ارتكاب البعض الآخر ولو بمثل أصالة الإباحة والبراءة إذا فُرض جريانهما في بعض الأطراف بالخصوص ولم يجريا في الطرف الآخر ؛ ليقع المعارضة بينهما . نعم : لا يجوز الإذن في جميع الأطراف ، لأنّه إذن بالمعصية ، والعقل يستقلّ بقبحها ، وأمّا الإذن في البعض فهو ممّا لا مانع منه ، فإنّ ذلك يرجع في الحقيقة إلى جعل الشارع الطرف غير المأذون فيه بدلاً عن الواقع » [1] . وأشكل المحقّق العراقي على ذلك بأنّه يتمّ فيما لو قبلنا اختصاص منجّزية العلم الإجمالي بالجامع فقط دون الأطراف ، والحال - كما هو الصحيح على رأيه - أنّ الواقع قد تمّ عليه البيان بالعلم الإجمالي ، وعليه يستحيل الترخيص في الأطراف لأنّه ترخيص في المعصية المعلومة [2] . والصحيح أن يقال بأنّ كلتا هاتين الدعوتين ترجعان في روحهما إلى قضية أُخرى غفل عنها الأعلام في المقام وهي أنّ حكم العقل بقبح المعصية أهو تعليقيّ أم تنجيزيّ ؟ فإن كان الأوّل ، بطُلت دعوى المحقق العراقي ، وإن كان الثاني بطلت دعوى المحقّق النائيني . وقد فصّلنا القول حول هذه المسألة في السابق من فقرات هذا البحث وثبت أنّ وجوب طاعة المولى راجع إلى أنّ هذا الحقّ ثابت للمولى لا عليه ، وأثبتنا إمكان الترخيص في العلم التفصيلي فضلاً عن الإجمالي .
[1] فوائد الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ص 35 . [2] نهاية الأفكار ، مصدر سابق : ج 3 ق 1 ص 46 .