ومن هنا قد يكون القطع مأخوذاً في لسان الدليل بنحو القطع الموضوعي إلاّ أنّه طريقيّ ثبوتاً ، كما في قوله تعالى : حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [1] ، بعبارة أخرى : إنّ هذا التقسيم ليس بصدد التمييز بين أقسام القطع في عالم الإثبات ، بل بصدد كيفيّة جعل الحكم من قبل المولى واقعاً ، فهل جعل المولى حكمه مترتّباً على تحقّق العلم ثبوتاً وإن لم يكن كذلك إثباتاً ؟ أو أنّه لم يجعله كذلك ثبوتاً وإن كان في مقام الإثبات رتّبه على حصول العلم ؟ وعليه فهو تقسيم بلحاظ عالم الثبوت للحكم الشرعي . منشأ الاهتمام بالتقسيم المذكور بالرغم من أنّ الأحكام الشرعيّة الموجودة لم يُؤخذ فيها حصول القطع الموضوعي ، أو أنّه أُخذ ولكنّه في غاية الندرة والقلّة ، فإنّ تقسيم القطع إلى طريقيّ وموضوعيّ قد شغل مساحات واسعة من الأبحاث الأصولية ، وتناوله الأعلام بشكل موسّع ، كما لا يخفى من تقريرات أبحاثهم في هذه المسألة . والمنشأ الأساسي الذي انطلق منه هذا التقسيم هو الردّ على بعض المقولات التي نُسبت إلى علمائنا الأخباريّين في مسألة حجّية القطع ، وبيان ما ذكروه من المنع عن العمل بالقطع إذا لم يكن ناشئاً من الكتاب والسنّة ، وتقسيم القطع إلى طريقيّ وموضوعيّ ليس إلاّ توطئة لردّ الشبهة المذكورة التي سيأتي الكلام عنها مفصّلاً في اللاحق من فقرات هذا البحث .