محاولة السيّد الشهيد تقوم هذه المحاولة على حمل الروايات النافية للعقاب على نفي فعلية العقاب ، وإن كان المتجرّي مستحقّاً له ، إلاّ أنّه يرتفع عنه تفضّلاً ومنّةً من الله عزّ وجلّ على عباده ، وتُحمل الروايات الدالّة على إثبات العقاب على استحقاق العقاب دون فعليّته . ويستند هذا الجمع على القاعدة الأصولية التي تقرّر : إذا كان في الدليلين المتعارضين نصّ وظاهر في كلّ منهما ، فيمكن رفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر ، علماً أنّ السيّد الشهيد لم يقبل هذه القاعدة في مسألة التعارض بين الأمر والنهي ، لأنّ تحليل الأمر والنهي إلى نصّ وظاهر ليس أمراً عرفياً ، لكنّه قبلها في المقام ، ببيان أنّ الروايات النافية للعقاب نصّ في نفي الفعلية ، ظاهرة في نفي الاستحقاق ، والروايات المثبتة للعقاب نصّ في الاستحقاق ، ظاهرة في إثبات الفعلية ، فنرفع اليد عن ظاهر كلّ منهما بنصّ الأخرى ؛ قال قدّس سرّه : « فالصحيح حمل الطائفة الثانية على نفي فعلية العقوبة تفضّلاً ومنّةً من الله سبحانه على عباده لأنّها ليست ظاهرة في أكثر من نفي فعلية العقاب ، بل وفي ألسنة بعضها القرينة على ذلك من قبيل ما دلّ على ( أنّ الله تفضّل على آدم على أن لا يكتب على ولده وذريّته ما نووا ما لم يفعلوا ) وما دلّ على أنّ الملائكة الموكّلين بتسجيل الذنوب يمهلون العباد ولا يكتبون بمجرّد النيّه وقصد المعصية ، فإنّ هذه الألسنة بنفسها تدلّ على ثبوت الاستحقاق الذي تدلّ عليه الطائفة الأولى وإنّما لا فعلية ولا تسجيل منّةً وفضلاً من الله سبحانه لعباده ، فلا تنافي بين الطائفتين أصلاً » [1] .