في أفعاله الحيوية يوسّط إدراكات وأفكاراً جمّة غير محصورة يكاد يدهش من كثرتها واتّساع أطرافها وتشتّت جهاتها العقل ، وهي علوم كانت العوامل في حصولها واجتماعها وتجزّيها وتركّبها الحواسّ الظاهرة والباطنة من الإنسان ، أو تصرّف القوّة الفكرية فيها تصرّفاً ابتدائياً أو تصرّفاً بعد تصرّف ، وهذا أمرٌ واضح يجده كلّ إنسان من نفسه ومن غيره ولا يحتاج في ذلك إلى أزيد من تنبيه وإيقاظ . ثمّ إذا كرّرت النظر في هذه العلوم والإدراكات وجدت شطراً منها لا يصلح لأن يتوسّط بين الإنسان وبين أفعاله الإرادية كمفاهيم الأرض والسماء والماء والهواء والإنسان والفرس ونحوها من التصوّرات ، وكمعاني قولنا : الأربعة زوج ، والماء جسم سيّال ، والتفّاح أحد الثمرات ، وغير ذلك من التصديقات ، وهي علوم وإدراكات تحقّقت عندنا من الفعل والانفعال الحاصل بين المادّة الخارجية وبين حواسّنا وأدواتنا الإدراكية ، ونظيرها علمنا الحاصل لنا من مشاهدة نفوسنا وحضورها لدينا « ما نحكي عنه بلفظ أنا » والكلّيات الأخر المعقولة ، فهذه العلوم والإدراكات لا يوجب حصولها لنا تحقّق إرادة ولا صدور فعل ، بل تحكي عن الخارج حكاية . وهناك شطر آخر بالعكس من الشطر السابق كقولنا : إنّ هناك حسناً وقبحاً وما ينبغي أن يفعل وما يجب أن يُترك ، والخير يجب رعايته ، والعدل حسن ، والظلم قبيح ، ومثل مفاهيم الرئاسة والمرؤوسيّة ، والعبدية والمولوية ، فهذه سلسلة من الأفكار والإدراكات لا همّ لنا إلاّ أن نشتغل بها ونستعملها ، ولا يتمّ فعل من الأفعال الإرادية إلاّ بتوسيطها والتوسّل بها لاقتناء الكمال وحيازة مزايا الحياة . وهي مع ذلك لا تحكي عن أمور خارجية ثابتة في الخارج مستقلّة