هل العاصي أشدّ حالاً من المتجرّي من حيث العقاب ؟ هذا هو البحث الأخير في المقام ، وقد ذكره الأعلام بعنوان آخر : هل تعدّد السبب يوجب تعدّد المسبّب ؟ أي إذا كان العصيان سبباً والتجرّي سبباً آخر ، أتتعدّد العقوبة بتعدّدهما أم أنّها سوف تتداخل ؟ ولعلّ عنونة البحث بما ذكرناه أولى من عنونتها بهذا الشكل الذي ذكره الأعلام في المقام ؛ ضرورة أنّه يستحيل اجتماع العصيان مع التجرّي لكي نقول بالتداخل أو لا نقول ، فالتجرّي هو عدم مصادفة الواقع ، والعصيان متقوّم بالمصادفة ، فلا يجتمعان . ثمّ فرّعوا على هذا البحث - حسب عنونتهم له - أنّ المسبّب إذا كان قابلاً للتكرار فلا تداخل ، وإلاّ فالتداخل متحقّق . مثال الأوّل ما لو قام الإنسان بفعلين يستحقّ على كلّ منهما القتل ، فالمسبَّب هنا غير قابل للتكرار كما هو واضح ، فإنّه لو قتل في المرّة الأولى استحال قتله ثانيةً ، ومثال الثاني العقوبات القابلة للتكرار . على أنّ هذه التفريعات تأتي فيما لو فرضنا معقولية أن يكون العصيان والتجرّي سببين للعقوبة في وقت واحد ، والحال أنّهما لا يجتمعان ، فإذا كان هناك عصيان فلا تجري حينئذ والعكس بالعكس ، وعليه فتكون العقوبة واحدة مسبّبة عن أحدهما . في ضوء ذلك لا بدّ من طرح هذا البحث بالنحو التالي : أتكون درجة عقوبة العاصي أشدّ منها في المتجرّي أم أنّهما متساويتان ؟ وهذا بحثٌ معقول في نفسه ولا يلزم منه ما تقدّم . وحول السؤال المذكور وُجدت إجابتان : الأولى : أن يقال بعدم الفرق بينهما من حيث استحقاق العقاب .