الأقوال في حقيقة الحسن والقبح ليعلم أوّلاً أنّ هذه المسألة وقع النزاع فيها من جهات أربع : الجهة الأولى : وهو النزاع القائم بين الأشاعرة وبين العدلية ، فقد ذهب الأشاعرة إلى أنّ الأفعال في نفسها وبغضّ النظر عن حكم الشارع فيها لا يمكن أن تتّصف بالحسن والقبح من جهة الإدراك العقلي ، أي أنّها لا بشرط من حيث الحسن والقبح ، وإنّما يلحقها التحسين والتقبيح من جهة حكم الشارع بذلك ؛ فالحسن ما حسّنه الشارع ، والقبيح ما قبّحه الشارع . وفي قبال ذلك ذهب العدلية إلى أنّ الأفعال تتّصف بالحسن والقبح من جهة الإدراك العقلي قبل حكم الشارع عليها ، وهو المذهب المعروف بالتحسين والتقبيح العقليين . أمّا الأشاعرة فقد استدلّوا على قولهم بأنّ الله سبحانه وتعالى هو « المالك ، القاهر ، الذي ليس بمملوك ولا فوقه مبيح ، ولا آمر ، ولا زاجر ، ولا حاظر ، ولا من رسم له الرسوم ، وحدّ له الحدود ، فإذا كان هذا هكذا ، لم يقبح منه شيء ؛ إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا لأنّا تجاوزنا ما حُدّ ورُسم لنا ، وأتينا ما لم نملك إتيانه ، فلمّا لم يكن الباري مملوكاً ولا تحت آمر ، لم يقبح منه شيء . فإن قال : فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه ، قيل له : أجل ، ولو حسّنه لكان حسناً ، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض . فإن قالوا : فجوّزوا عليه أن يكذب ، كما جوّزتم أن يأمر بالكذب ، قيل لهم : ليس كلّ ما جاز أن يأمر به ، جاز أن يوصف به » [1] .
[1] راجع الإلهيات على هدى الكتاب والسنّة والعقل ، محاضرات الشيخ جعفر السبحاني ، ج 1 ص 249 .