على أساس هذه المقدّمات يمكن القول حينئذ إنّ الفعل المتجرّى به يعدّ من أوضح مصاديق التمرّد والطغيان والعناد والخروج عن ساحة القرب الإلهي وهتك رسوم العبودية والطاعة ، وهذا هو الوجه الصحيح والمختار في إثبات القبح العقلي للتجرّي . ولعلّ المنشأ في ذهاب بعض الأعلام إلى عدم قبح الفعل المتجرّى به هو قياسهم حقوق المولى الحقيقي على الحقوق الثابتة في المجتمعات العقلائية . وحول هذا القياس يعلّق الأستاذ الشهيد : « إنّ حقّ الطاعة تارةً يكون حقّاً مجعولاً وأخرى يكون حقّاً ذاتيّاً ، وهذا الحقّ الذاتي - محلّ الكلام - ليس شأنه شأن الحقوق الأخرى التي لها واقع محفوظ بقطع النظر عن القطع والشكّ نظير الحقوق الأخرى والتكاليف الشرعية ، بل يكون للانكشاف والقطع دخلٌ فيه ، لأنّ هذا الحقّ بحسب الحقيقة حقّ للمولى على العبد أن يطيع مولاه ويقوم بأدب العبودية والاستعداد لأداء الوظيفة التي يأمره بها وليس بملاك تحصيل مصلحة له أو عدم إضرار به كما في حقوق الناس وأموالهم . ففي حقّ المالك في ملكه قد يقال بأنّ من أتلف مالاً بتخيّل أنّه لزيد ثمّ تبيّن أنّه مال نفسه لم يكن ظالماً لزيد ؛ لأنّه لم يخسره شيئاً ولم يتعدّ على ماله ، وأمّا هنا فالاعتداء بلحاظ نفس حقّ الطاعة وأدب العبودية . ومن الواضح أنّ مثل هذا الحقّ الاحترامي يكون تمام موضوعه نفس القطع بتكليف المولى أو مطلق تنجّزه ، لا واقع التكليف . فلو تنجّز التكليف على العبد ومع ذلك خالف مولاه ، كان بذلك قد خرج عن أدب العبودية واحترام مولاه ولو لم يكن تكليف واقعاً » [1] .