وعلى هذا الأساس « نجد أنّ الفقه الإمامي توسّع في بحث الأصول العمليّة وأقسامها وشرائط كلّ منها ، بينما فقه العامّة لم يتعرّض لتلك البحوث ، بل على العكس من ذلك نجد أنّ للبحث عن الأمارات والظنون ومحاولات إثبات الحكم الشرعي على أساسها مجالاً واسعاً في أصول فقه العامّة ، في الوقت الذي يكون البحث عنها عندنا محصوراً في حدود ما هو في معرض قيام دليل شرعيّ على حجّيته » [1] . إلاّ أنّ هذا المميّز للفقه الإمامي لم يطرح من أوّل الأمر بهذه الصيغة المطروحة في العصر الثالث من مراحل تطوّر علم الأصول ، بل إنّ الأصل العملي الذي كان يبنى عليه في عملية الاستنباط ، أدرج تحت دليل العقل الذي يعتبر أحد الأدلّة الأربعة ، ومعنى ذلك أنّه لم يفرّق في تلك المرحلة بين الاستدلال بالأصل العملي أو الاستدلال بالدليل . من هنا ذكر السيّد المرتضى وابن إدريس في مقام بيان المصادر والأدلّة التي يعتمدون عليها في مقام الاستنباط ، ذكرا أنّهم يعتمدون على أدلّة كلّها تفيد العلم بالحكم الشرعي ، ولا يجوز - عندهم - إعمال دليل لا يفيد الحكم كخبر الواحد والقياس ونحوهما من الأدلّة الظنّية . والأدلّة القطعيّة عندهما هي : الكتاب والسنّة المتواترة وإجماع الطائفة والعقل ، واعتبروا البراءة - التي هي أصلٌ عمليّ - إحدى تطبيقات دليل العقل في فقههما . فجوهر الأصل العملي كان موجوداً عندهم ، بمعنى أنّهم لم يكونوا يجوّزون - حيث لا يوجد دليل مشروع - أن يرجعوا إلى
[1] بحوث في علم الأصول ، مباحث الحجج والأصول العمليّة ، تقريراً لأبحاث سيّدنا وأستاذنا الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر طاب ثراه ، بقلم : السيّد محمود الهاشمي . مكتب الإعلام الإسلامي ، رمضان 1405 ه - . : ج 5 ص 10 .