أساس الاعتبارات والتخمينات والاستحسانات ، وإنما يبحث عن المرحلة الثانية وهي : ما هو مقتضى الوظيفة العمليّة في مقام الخروج عن عهدة التكليف المحتمل غير المعلوم . والفرق بين المرحلتين كما يقول الشهيد الصدر قدّس سرّه : « إنّ تلك ( أي الأدلّة في المرحلة الأولى ) تكون أدلّة ومستنداً للفقيه بلحاظ كاشفيّتها عن الواقع وإحرازها للحكم الشرعيّ ، وأمّا هذه ( أي المرحلة الثانية ) فتكون أدلّة من الوجهة العمليّة فقط ، بمعنى أنها تحدّد كيف يتصرّف الإنسان الذي لا يعرف الحكم الشرعي للواقعة » [1] . ومن المعلوم أنّ الدليل الذي يحرز الحكم الشرعي مقدّم على الأصل والقاعدة التي تحدّد الوظيفة العمليّة كما يتّضح في مباحث تعارض الأدلّة الشرعيّة . وهذه المنهجية في عملية الاستنباط في فقه مدرسة أهل البيت عليهم السلام تعتبر إحدى المميّزات الجوهريّة التي تميّز الفقه الإمامي عن الفقه عند أتباع الخلفاء . توضيح ذلك : أنّ المدار في فقه أتباع الخلفاء دائماً هو التوصّل إلى الحكم الواقعي ، من هنا فهُم يتمسّكون أوّلاً بالأدلّة المشروعة من الكتاب والسنّة ، فإن لم يجدوا ذلك تمسّكوا بمطلق الأمارات الظنّية وإن لم يقم دليل على حجّيتها كالقياس والاستحسان ونحوهما ، وإن لم يظفروا بذلك أيضاً تمسّكوا بأيّ مناسبة واعتبار وتخمين . وهذان طرزان من التفكير الفقهي في عملية استنباط الحكم الشرعيّ ; الأوّل : الطرز الذي سار عليه فقهاء الإماميّة قدّست أسرارهم . والثاني : الطرز الذي سار عليه فقه أتباع الخلفاء .
[1] دروس في علم الأصول ، تأليف سماحة الشهيد السعيد آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر قدّس سرّه ، الحلقة الثانية . تحقيق وتعليق : مجمع الفكر الإسلامي : ص 49 .