كما يقول تعالى : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [1] . وفي المجال ذاته جرت كلمات المتكلِّمين حول قاعدة اللّطف بأنّ اللطف واجب على الله ، فقد قالوا بوجوب بعثة الأنبياء على الله سبحانه بالنحو الذي لو لم يبعث نبيّاً لارتكب قبيحاً ! [2] وهذا الفهم لقاعدة اللطف يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا يفهمه الحكماء والفلاسفة المحقّقون في القاعدة المذكورة ، لأنّهم يقولون إنّ الله سبحانه وتعالى هو الوجود الأتمّ الأكمل الذي لا يمكن أن يتصوّر ما هو أكمل منه ، وعليه فلا يستطيع العقل المحدود أن يحكم عليه ماذا يفعل وماذا لا يفعل ؛ ضرورة أنّ العقل مهما بلغ من الكمال يبقى محدوداً ضيّقاً في قبال اللامتناهي . قال السيّد الطباطبائي قدّس سرّه : « فمن عظيم الجرم أن نحكّم العقل عليه تعالى فنقيّد إطلاق ذاته غير المتناهية فنحدّه بأحكامه المأخوذة من مقام التحديد والتقييد ، أو أن نقنّن له فنحكم عليه بوجوب فعل كذا وحرمة فعل كذا وأنّه يحسن منه كذا ويقبح منه كذا على ما يراه قوم فإنّ في تحكيم العقل النظري عليه تعالى حكماً بمحدوديّته ، والحدّ مساوق للمعلولية ؛ فإنّ الحدّ غير المحدود ، والشيء لا يحدّ نفسه بالضرورة ، وفي تحكيم العقل العملي عليه جعله ناقصاً مستقبلاً تحكم عليه القوانين والسنن الاعتبارية التي هي في الحقيقة دعاوٍ وهمية كما عرفت في الإنسان فافهم ذلك » [3] .
[1] الأنعام : 54 . [2] بحوث في علم الأصول ، مصدر سابق : ج 4 ص 305 . [3] الميزان في تفسير القرآن ، مصدر سابق : ج 8 ص 56 .