وبين الاتجاه الذي يقرّر بأنّ الحجّية لازم ذاتيّ للقطع ، هو أنّ الأخير يعني أنّ العقل ليس له دور إلاّ الكشف والإخبار عن الحجّية الثابتة ، أمّا الاتجاه الثالث فيقرّر بأنّ العقل ينشئ حكماً حاصله أنّ المكلّف كلّما قطع بتكليف المولى فيجب عليه امتثال ما قطع به . ويتراءى هذا الاتجاه من بعض كلمات المحقّق الخراساني قدّس سرّه في حاشيته على رسائل الشيخ ، حيث قال : « إنّ وجوب اتّباع القطع عقلاً ، ولزوم العمل على وفقه بما هو كاشف بمعنى انقداح الملزم العقلي ، والمحرّك العقلائي في نفس القاطع ، نحو فعل ما قطع وجوبه فعلاً ، وترك ما قطع حرمته كذلك ، بحيث يرى نفسه مذموماً على ترك الأوّل وفعل الثاني ، ومستحقّاً للعقوبة من قبل المولى على مخالفة أمره أو نهيه ، وانقداح ما يؤمّنه من الذمّ والعقوبة ، واستحقاق المولى للذمّ على مؤاخذته ، مع القطع بموافقة أمره أو نهيه لا يحتاج إلى مزيد بيان ومؤونة برهان ، كما يشهد به الوجدان . . . إلى أن قال : وبالجملة وجوب الاتّباع في القطع حكمٌ تنجيزيّ من العقل غير معلّق على شيء أصلاً » [1] . كذلك يمكن استظهار هذا الاتجاه من عبارات المحقّق الإصفهاني في تعليقته على كفاية الأصول ، حيث قال قدّس سرّه : « لا يذهب عليك أنّ المراد بوجوب العمل عقلاً ليس إلاّ إذعان العقل باستحقاق العقاب على مخالفة ما تعلّق به القطع » [2] . وقد أورد السيّد الخوئي على هذا الاتجاه : بأنّ العقل شأنه الإدراك ليس إلاّ ، وأمّا الإلزام والبعث التشريعي فهو من وظائف المولى . نعم ،
[1] درر الفوائد في الحاشية على الفرائد ، مصدر سابق : . ص 25 . [2] نهاية الدراية ، مصدر سابق : ج 2 ص 31 .