الشارع لم يردع عن هذا البناء - حيث إنّه رئيس العقلاء - يكون ذلك ممضى من قبله أيضاً . وقد استدلّ كلا الاتّجاهين على حجّية القطع بأنّ العمل به عدل ومخالفته ظلم ، فتكون حجّية القطع من صغريات قاعدة حسن العدل وقبح الظلم ، واستحقاق فاعل الأوّل للمدح والثواب ومرتكب الثاني للذمّ والعقاب . قال السيّد الخوئي مستدلاًّ للاتّجاه الأوّل : « فظهر بما ذكرنا أنّ حجّية القطع من لوازمه العقلية ، أنّ العقل يدرك حسن العمل به وقبح مخالفته ، ويدرك صحّة عقاب المولى عبده المخالف لقطعه ، وعدم صحّة عقاب العامل بقطعه ولو كان مخالفاً للواقع . وإدراك العقل ذلك لا يكون بجعل جاعل أو بناءً من العقلاء ، لتكون الحجّية من الأمور المجعولة أو من القضايا المشهورة ، بل من الأمور الواقعية الأزلية » [1] . وقال الإصفهاني مستدلاًّ للاتّجاه الثاني : « لكن ليعلم أنّ استحقاق العقاب ليس من الآثار القهرية واللوازم الذاتية لمخالفة التكليف المعلوم قطعاً ، بل من اللوازم الجعلية للعقلاء ؛ لما سيأتي عمّا قريب إن شاء الله أنّ حكم العقل باستحقاق العقاب ليس ممّا اقتضاه البرهان ، وقضيّته غير داخلة في القضايا الضرورية البرهانية ، بل داخلة في القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء العقلاء لعموم مصالحها ، ومخالفة أمر المولى هتك لحرمته وهو ظلمٌ عليه ، والظلم قبيح أي ممّا يوجب الذمّ والعقاب عند العقلاء . فدخل القطع في استحقاق العقوبة على المخالفة الداخلة تحت عنوان الظلم بنحو الشرطية ، جعليّ عقلائيّ لا ذاتيّ قهريّ كسائر الأسباب