وبذلك يثبت حكم أحدهما للآخر . الثانية : إنّ السبب وراء تحرّك الإنسان نحو الماء في الواقع الخارجي ، يعود إلى أمر فطريّ في الإنسان ، وهو حبّه لذاته ، وحيث إنّ الماء يؤمّن له ذاته ويحفظها ؛ فيتحرّك نحو تحصيل شربه خارجاً . وهذا الأمر النظري يقوم بدوره في تحريك الإنسان لتحصيل كلّ ما يوافق طبع الإنسان في مرتبة من مراتب وجوده العقلية أو الحسّية أو غيرهما . ولا ربط لهذه المقتضيات بباب الحسن والقبح العقلي أصلاً ؛ لذا حتّى لو أنكرنا ذلك ، فإنّ هذه المقتضيات الذاتية تؤثّر أثرها ، لأنّ ملاكها موافقة الطبع مع الشيء الخارجي ، وهذا الملاك ثابت ولو لم نؤمن بالحسن والقبح العقليّين . كذلك تؤثّر هذه المقتضيات أثرها سواء التُفت إليها أو لا ؟ أي أكان هناك علمٌ بها أم لا ؛ لذا نجد أنّ الطفل الصغير يسحب يده بقوّة عند ملامسة الأجسام الحارّة ولو لم يكن ملتفتاً إلى تحقيق ما يؤمّن أغراضه الشخصية ويحفظ له ذاته . والحاصل أنّ الإنسان بل الحيوان أيضاً يتحرّك نحو ما يراه نفعاً له ، ويحذر ويفرّ ممّا يراه ضرراً عليه ، وليس ذلك بإلزام من العقل ، بل المنشأ فيه هو حبّ النفس ، فهو بعث وزجر تكوينيّ ؛ من هنا فهو لا يقبل التخلّف إلاّ إذا وجد عند الإنسان غرض تكوينيّ أقوى من الأوّل ، حينئذ يمكن أن يتخلّف . فقد يكون الإنسان عطشاناً وله غرض تكوينيّ في شرب الماء ، لكنّه لا يشربه بسبب وجود غرض آخر أقوى من الأوّل ، كما فعل أبو الفضل العبّاس في يوم عاشوراء مواساةً لأبي عبد الله الحسين عليه السلام .