نخلص ممّا سبق أنّ تمايز العلوم إنّما هو بتمايز الموضوعات ، لأنّ لكلّ موضوع حقيقيّ عوارض ذاتية تختصّ به ولا تتجاوزه إلى غيره . اختصاص قاعدة « لكلّ علم موضوع » بالعلوم البرهانية من أهمّ النتائج التي تترتّب على ما قدّمناه في ضابط العرض الذاتي ، أنّ هذه القواعد التي أسّسها الحكماء وعلماء الميزان ، كقاعدة إنّ لكلّ علم موضوعاً وقاعدة إنّ موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية ونحوهما ، إنّما تختصّ بالعلوم الحقيقيّة لا الأعمّ منها ومن الاعتبارية ، وذلك لأنّ الموضوع في العلوم الاعتبارية ليس منشأً وعلّةً لشيء حتّى يكون البحث عن المحمولات فيها بحثاً عن العوارض الذاتية لموضوع العلم . وهذا ما صرّح به أساطين الحكمة والمحقّقون من علماء الأصول . قال العراقي : « وحينئذ فأين الموضوع الوحداني في هذه العلوم ( الفقه والأصول والنحو ) يمتاز به بعضها عن البعض الآخر ، كي يبقى مجال القول بكون ميز العلوم بقول مطلق بتمايز موضوعاتها ، خصوصاً بعدما يرى من تعريفهم إيّاه بأنّه ما يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية ، فإنّه فيما ذكرنا من العلوم لا يتصوّر موضوع وحداني فيها حتّى يكون البحث عن عوارضه الذاتية ، لأنّه إذا نظرنا إلى موضوعات مسائلها المعروضة للعوارض المبحوث عنها في العلم ، نرى بأنّها لا تكون إلاّ عبارة عن المتكثّرات بلا جامع ذاتيّ بها ، وأمّا الجامع العرضي فهو وإن كان متصوّراً فيها ، ولكنّه لا يكون مثل هذا الجامع العرضي الانتزاعي معروضاً لعارض حتّى يبحث في العلم عن عوارضه الذاتية كما هو ظاهر » [1] .