ثمّ إنّ المحقّق الخراساني بعد أن ذكر أنّ القطع ليس من العناوين التي تغيّر الواقع ، حاول أن يعضد كلامه بحاكمية الوجدان في ذلك ، فقال : « فقتل ابن المولى لا يكاد يخرج عن كونه مبغوضاً له ولو اعتقد العبد بأنّه عدوّه . وكذا قتل عدوّه مع القطع بأنّه ابنه ، لا يخرج عن كونه محبوباً أبداً » [1] . وفيه ما قلناه سابقاً من أنّه خلط بين باب المصلحة والمفسدة وباب الحسن والقبح ؛ ضرورة أنّ المولى لو كان حاذقاً بعيدَ النظر لرأى أنّ ما فعله العبد في قتله لابنه باعتقاد أنّه عدوّ المولى حسناً ، لأنّه لو كان عدوّه واقعاً لقتله أيضاً . فالمولى وإن لحقته المفسدة جرّاء هذا الفعل ، إلاّ أنّ العبد قام بذلك من جهة الإطاعة والانقياد التامّ لمولاه ، وهو ما يحكم العقل بحسنه بلا ريب . دليل الخراساني لإثبات عدم قبح الفعل المتجرّى به يعدّ هذا الوجه من أهمّ الوجوه التي ذكرها الأعلام في عدم قبح الفعل المتجرّى به ، ويستند في حقيقته إلى مقدّمتين : الأولى : إنّ الفعل لا يتّصف بالحسن أو القبح إلاّ مع كونه اختيارياً للفاعل ، وهذا أحد أهمّ الفروق بين باب الحسن والقبح وباب المصلحة والمفسدة ، وقد تعرّضنا لهذه القاعدة في السابق من فقرات هذا البحث وقلنا إنّ الحسن والقبح لا يتحقّقان إلاّ في الأفعال الاختيارية . الثانية : إنّ الاختيار لا يتحقّق إلاّ مع الالتفات إلى الفعل ، وأمّا مع غفلة الفاعل فلا معنى لتصوّر الاختيار .