بناءً على هاتين المقدّمتين فلا يكون الفعل المتجرّى به اختيارياً ؛ ضرورة عدم كونه ملتفتاً إليه ، ومعه لا يمكن اتّصافه بالحسن أو القبح بحسب المقدّمة الأولى [1] . أمّا كيف يكون الفعل المتجرّى به غير اختياريّ ؟ فيحتاج إلى بيان : من الواضح أنّ المتجرّي عندما يشرب الماء باعتقاد أنّه خمر ، فلا يكون قد شرب خمراً في الواقع ، نعم شرب مقطوع الخمرية وليس الخمر ، ولكنّه شرب هذا الماء بعنوان الخمر ولم يكن قاصداً شرب مقطوع الخمرية ، وقد تحقّق في مباحث الطلب والإرادة أنّ الفعل لا يكون اختيارياً للمكلّف إلاّ مع كونه مقصوداً له ، وعليه فلا يكون تناول مقطوع الخمرية مقصوداً للمكلّف وبالتالي فلا يكون اختيارياً ، ومن ثمّ لا يمكن اتّصافه بالحسن أو القبح . أمّا ما ذكره من أنّ الاختيار في الفعل لا يتحقّق إلاّ مع الالتفات إليه ؛ فلأنّ المتجرّي ليس بملتفت إلى العنوان الذي هو مقطوع الخمرية بل هو قاصد و ملتفت إلى المعنون الذي هو الخمر . قال قدّس سرّه : « مع أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به - بما هو مقطوع الحرمة أو الوجوب - لا يكون اختيارياً ، فإنّ القاطع لا يقصده إلاّ بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي ، لا بعنوانه الطارئ الآلي ، بل لا يكون غالباً بهذا العنوان ممّا يلتفت إليه ، فكيف يكون من جهات الحسن أو القبح عقلاً ، ومن مناطات الوجوب أو الحرمة شرعاً ؟ ولا يكاد يكون صفة موجبة لذلك إلاّ إذا كانت اختيارية » [2] .
[1] كفاية الأصول ، مصدر سابق : ص 260 . [2] المصدر نفسه .