في حياتنا اليومية ، لكن هذه الأمور جميعاً إنّما تحصل على مستوى نشأة الدنيا . وقد عرفنا أنّ الإنسان لم يُخلق ليعيش في هذه الدنيا إلى الأبد ، بل الدنيا ليست إلاّ ممرّاً وطريقاً يصل من خلاله إلى الغاية والهدف الذي خُلق من أجله وهو القرب الإلهي والرجوع إلى الحقّ سبحانه وتعالى . وحيث إنّ عالم الآخرة ليست بنحوٍ تقع تحت سلطان التجربة البشرية كما كان الحال في النار والماء والدواء ، فلا يكون الإنسان حينئذ قادراً على معرفة ما ينفعه وما يضرّه في ذلك العالم الآخر . على أساس هذه الحقيقة يمكن أن نقرّر أنّ الإنسان لو عاش على هذا الكوكب آلاف السنين ، فلا يستطيع في آخر المطاف أن يعرف ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارً ) [1] ، أو يعرف أنّ صلة الرحم تطيل في عمر الإنسان ، وأنّ دفع الصدقة يرفع البلاء وميتة السوء ونحوها . وعليه فلا بدّ من وجود قوّة أُخرى تعيّن له ما ينفعه وما يضرّه ، فتأمره بامتثال الأوّل ، وتنهاه عن ارتكاب الثاني . من هذا المنطلق أدرك العقل الإنساني ضرورة الحاجة إلى الوحي ورسالات السماء للقيام بهذه المهمّة العظيمة . لذا لم يتعرّض الإسلام - بوصفه رسالة سماوية - إلى بيان القضايا المرتبطة بالأمور التي يستطيع الإنسان التعرّف على نفعها أو ضررها من خلال التجربة ، لأنّ الإنسان في هذا المجال غنيّ عن الإرشاد بما يملكه من قوّة العقل الخلاّقة والمبدعة التي وهبه الله تعالى إيّاها .