لكن هذه الطريقة من البيان لا يتيسّر إجراؤها على مستوى السيرة العقلائية ؛ لإمكان افتراض أنّ المرتكزات العقلائية هي المنشأ في استقرار السلوك المعيّن ؛ فلا يكون السبب منحصراً في التلقّي من الشارع . وعليه لا بدّ من التماس طريق آخر لإثبات هذا الركن على مستوى السيرة العقلائية ، وذلك من خلال الاستعانة بقضيّتين شرطيّتين : إحداهما : أنّه لو لم يكن الشارع موافقاً على مضمون السيرة لردع عنها . الثانية : أنّه لو كان قد ردع عنها لوصل إلينا . وحيث إنّه لم يصل إلينا ، فلا ردع ، وهو كاشف عن الإمضاء بحكم الشرطية الأولى . أمّا الشرطية الأولى فهي ليست من الملازمات العقلية الواضحة ، ولهذا ذكر الأستاذ الشهيد وجهين لإثبات الملازمة المذكورة بين عدم الردع والإمضاء : « أحدهما : أن تكون دلالة عقلية بملاك استحالة نقض الغرض وتخلّف المعصوم عن أداء رسالته من تبليغ الشريعة وبيان أحكامها وحلالها وحرامها ، فإنّه بحكم كونه حجّة على العباد في تبليغ الشريعة مسؤول عن توضيح ما يخالفها من أوضاع الناس وإلاّ كان مخالفاً لمسؤوليّته بما هو مكلَّف - بالفتح - وناقضاً لغرضه بما هو مكلِّف - بالكسر - وكلاهما مستحيل . وهذا الوجه ينطبق إذا كانت السيرة العقلائية تشكّل خطراً على أغراض الشارع بأن كان مفعولها سارياً إلى باب الشرعيات كالسيرة على الرجوع إلى أهل الخبرة في كلّ فنّ ، المقتضي للرجوع إلى الفقهاء في أخذ معالم الدِّين إمّا جرياً وراء العادة أو لعموم النكتة في نظرهم وعدم الفرق بين علم الفقه وسائر الفنون .