ذلك الأثر الواضح والانعكاس الكبير على مستوى علم الفقه ، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على أنّ المسلّمات الفقهية ظلّت قائمة عند الفقهاء بالرغم من سقوط حججها الأصولية والمناقشة فيها . والسبب في ذلك يرجع إلى الحالة النفسية والوجدانية التي كانت تحكم الفقيه وتمنعه من التجاوز على تلك المسلّمات الفقهية . وكمثال على ذلك نعرض ما ذكره السيد الخوئي قدّس سرّه حول كيفية غسل الوجه في الوضوء ووجوب البدء من الأعلى . قال قدّس سرّه : « وجوب البدء بالأعلى على ما هو المعروف بين المتقدّمين والمتأخّرين ، وخالفهم في ذلك السيد المرتضى قدّس سرّه وذهب إلى جواز النكس وتبعه الشهيد وصاحب المعالم والشيخ البهائي وابن إدريس وغيرهم قدس الله أسرارهم ، واستدلّ على ما ذهب إليه المشهور بوجوه » . ثم يذكر الوجوه الأربعة على وجوب البدء بالأعلى ويناقشها جميعاً ، إلى أن يقول : « فالمتحصّل إلى هنا أنّ وجوب غسل الوجه من الأعلى إلى الأسفل مما لم يقم عليه دليل » . فكان عليه بمقتضى الصناعة أن يفتي بعدم الوجوب ، لكن عاد في خاتمة البحث ليقول : « فلم يبق إلاّ تسالم الفقهاء الأقدمين وسيرة أصحاب الأئمّة عليهم السلام حيث جرت على غسل وجوههم من الأعلى إلى الأسفل ، فإنّ المتقدمين متسالمون على وجوب ذلك ، ولم يخالفهم إلاّ السيد المرتضى كما أنّ أصحاب الأئمّة لم ينقل عنهم خلاف ذلك ، فلو لم يكن هذا على وجه الإلزام والوجوب لظهر وشاع ، فنطمئنّ من عدم ظهور ذلك بأنّ الغسل من الأعلى إلى الأسفل أمر واجب لا محالة .