وأما التزاحم فله قواعد أخرى تتصل بالحكم نفسه ولا ترتبط بالسند أو الدلالة . ولا ينبغي أن يخلو كتابنا من الإشارة إليها . وهذه خير مناسبة لذكرها ، فنقول : 4 - تعادل وتراجيح المتزاحمين : لا شك في أنه إذا تعادل المتزاحمان في جميع جهات الترجيح الآتية ، فإن الحكم فيهما هو التخيير . وهذا أمر محل اتفاق ، وإن وقع الخلاف في تعادل المتعارضين أنه يقتضي التساقط أو التخيير ، على ما سيأتي . وفي الحقيقة : أن هذا التخيير إنما يحكم به العقل ، والمراد به العقل العملي . بيان ذلك : أنه بعد فرض عدم إمكان الجمع في الامتثال بين الحكمين المتزاحمين وعدم جواز تركهما معا - ولا مرجح لأحدهما على الآخر حسب الفرض ويستحيل الترجيح بلا مرجح - فلا مناص من أن يترك الأمر إلى اختيار المكلف نفسه ، إذ يستحيل بقاء التكليف الفعلي في كل منهما ، ولا موجب لسقوط التكليف فيهما معا . وهذا الحكم العقلي مما تطابقت عليه آراء العقلاء . ومن هذا الحكم العقلي يستكشف حكم الشرع على طبق هذا الحكم العقلي - كسائر الأحكام العقلية القطعية - لأن هذا من باب المستقلات العقلية التي تبتني على الملازمات العقلية المحضة . مثاله : إذا دار الأمر بين إنقاذ غريقين متساويين من جميع الجهات لا ترجيح لأحدهما على الآخر شرعا من جهة وجوب الإنقاذ ، فإنه لا مناص للمكلف من أن يفعل أحدهما ويترك الآخر ، فهو على التخيير عقلا بينهما المستكشف منه رضى الشارع بذلك وموافقته على التخيير .