التخصيص بالأول فهو حقيقة دون ما كان بالثاني ( 1 ) وقيل : بالعكس ( 2 ) . والحق عندنا هو القول الثاني ، أي أنه حقيقة مطلقا . الدليل : إن منشأ توهم القول بالمجاز أن أداة العموم لما كانت موضوعة للدلالة على سعة مدخولها وعمومه لجميع أفراده ، فلو أريد منه بعضه فقد استعملت في غير ما وضعت ، فيكون الاستعمال مجازا . وهذا التوهم يدفع بأدنى تأمل ، لأ أنه في التخصيص بالمتصل كقولك - مثلا - : " أكرم كل عالم إلا الفاسقين " لم تستعمل أداة العموم إلا في معناها ، وهي الشمول لجميع أفراد مدخولها ، غاية الأمر أن مدخولها تارة يدل عليه لفظ واحد مثل " أكرم كل عادل " واخرى يدل عليه أكثر من لفظ واحد في صورة التخصيص ، فيكون التخصيص معناه : أن مدخول " كل " ليس ما يصدق عليه لفظ " عالم " مثلا بل هو خصوص " العالم العادل " في المثال . وأما " كل " فهي باقية على مالها من الدلالة على العموم والشمول ، لأ نهى تدل حينئذ على الشمول لكل عادل من العلماء ، ولذا لا يصح أن يوضع مكانها كلمة " بعض " فلا يستقيم المعنى لو قلت : " أكرم بعض العلماء إلا الفاسقين " وإلا لما صح الاستثناء . كما لا يستقيم لو قلت : " أكرم بعض العلماء العدول " فإنه لا يدل على تحديد الموضوع كما لو كانت " كل " والاستثناء موجودين . والحاصل : أن لفظة " كل " وسائر أدوات العموم في مورد التخصيص لم تستعمل إلا في معناها ، وهو الشمول .
( 1 ) أصل هذا التفصيل لأبي الحسين البصري ( راجع المعتمد : ج 1 ص 262 ) واختاره العلامة ( قدس سره ) في التهذيب ( مخطوط ) الورقة 17 ، ومبادئ الوصول : ص 131 . ( 2 ) لم نظفر بقائله ، انظر نهاية الوصول : الورقة 60 ، البحث الخامس ، والمعتمد لأبي الحسين البصري : ج 1 ص 262 .