ولكننا لو
رجعنا إلى رجال سند هذا الحديث لوجدنا فيهم (كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف
المزني) قال ابن حبان في (كتاب المجروحين): (روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب
ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب. وكان الشافعي رحمه الله يقول: كثير بن عبد الله المزني ركن من أركان الكذب)([1318])،
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد): (كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد أجمعوا على ضعفه)([1319])،
فشرط (أن لا يكون في إسناده راوٍ متهم بالكذب) مفقود هنا لان كثير بن عبد الله
اتهمه الشافعي بالكذب، ويروي عن أبيه عن جده نسخة موضوعه، وهذا الحديث الذي صححه
وحسنه الترمذي منها فهو عن أبيه عن جده، ومع ذلك صحح الترمذي هذا الحديث وحسنه.
وكم من
حديث أيضا يعترف الترمذي بأنه (لم يأتِ أو لم يروَ إلا من هذا الوجه) ولكنه مع ذلك
يحسنه وأمثلته كثيرة جدا، فيتغافل أو يغفل ما اشترطه للحديث الحسن وهو (أن لا يأتي
من طريق واحد بل يأتي من أكثر من طريق).
وقد وجّه
للترمذي نقد كثير على ترتيب اصطلاحاته والجمع بينها في مكان واحد، وكذلك انتقد في
التضارب ما بين القاعدة التي يضعها وما بين تطبيق تلك القاعدة في الواقع الخارجي،
فعلى سبيل المثال فقد: (استشكل جماعة من أهل الاصطلاح اجتماع الغـرابة والحسن في
حديثٍ واحدٍ، وهذا باعتبار تعريف الغريب عندهم بأنـه «الحديث الذي يتـفرد به راو
إما في متـنه أو في إسناده أو هما معاً»، وباعتبار تعريف الحسن عند الترمذي على ما
أصَّلَه في «العلل الصغير» بقوله: «وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا
حسن إسناده عندنا، وهو كلُّ حديثٍ لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون شاذاً،
ويروى من غير وجهٍ نحو ذاك، فهو عندنا حديث حسن» ووجه الإشكال هاهنا: