أمام القانون الإسلامي. إن
هذا الاختلاف بين الموقفين المتعاكسيْن يدعو الباحثين إلى التفريق بين السياسة
العثمانية، في بدايتها، عن سياستها أواخر عهدها، «ففي الفترات
الأولى من الحكم العثماني، عومل العرب بالكثير من الاحترام، وكانت الدولة
العثمانية قائمة على أسس اللامركزية، وبقيت كذلك حتى أواخر القرن الثامن عشر..
(فقد كان العثمانيون) يعتبرون أنفسهم مسلمين أولاً وقبل كل شيء، وكانوا ينظرون
النظرة ذاتها إلى (الدولة) بمجموعها (من حيث الحروب والمناصب)..»([117]). ولكن حينما اتبعت سياسة التتريك، بدأت
مطالبة العرب بالحقوق القومية ونمت شيئاً فشيئاً إلى درجة الانفصال عن الدولة
العثمانية. ومن المؤكد أن المسألة ليست عبثية، حيث أوصلت الأمة الإسلامية إلى درجة
التفكك والاندحار، وإنما كانت مؤامرة دقيقة حيكت خطوطها بأيدٍ صهيونية صليبّية
معادية في عواصم أوروبا، حيث كانت منتشرة بكل قواها لتحطيم الدولة العثمانية، وغزو
المسلمين في عقر ديارهم. وذلك عبر البعد الاستراتيجي لهم داخل المسلمين، وهم
الاقليات الدينية، بالإضافة إلى الذين حملوا أفكارهم، واصبحوا جسوراً لعبور جيوش
الغرب إلى مناطق المسلمين، وبالتالي ليحقق الغرب أحلامه في السيطرة واستغلال
الثروات. فلذلك حرصت أوروبا وبريطانيا بالتحديد «على التعاون مع الاقليات في
الدولة العثمانية، لاسيما اليهود من ذوي النفوذ، بالإضافة إلى العملاء المحليين والأجانب
على السواء. ويتحدث (مصطفى كامل) - الزعيم المصري - عن هذه الحقيقة فيقول: «لقد
دخل في جسم الدولة كثير من الأجانب نساءً ورجالاً، وغيّروا أسماءهم بأسماء
إسلامية، عملوا على الارتقاء في المناصب حتى وصل بعضهم إلى أسماها، وصاروا من أقرب
الدخلاء في الزمن السالف، في كل فروع الدولة العليّة، حتى في الجيش نفسه، وصارت
لهم سلطة عظيمة،ونفوذ كبير، وكنتَ تجد من وزراء الدولة العلية من يعمل لصالح الروس
مدعياً أنه روسي السياسة، ومن يعمل لصالح إنكلترا مدعياً أنه إنكليزي السياسة،
ولكن ليس منهم من كان عثماني السياسة». يضيف الدكتور حسّان إلى ذلك بقوله: «إن
هؤلاء الأشخاص الأجانب الذين دخلوا في جسم الدولة لعبوا دوراً بارزاً في إنهاكها
وتقصير سنيّ حياتها»([118]). وهكذا فقد «استخدمت
الدول الأوروبية مختلف الوسائل والسبل لمحاربة الدولة الإسلامية العثمانية، شملت
غزو أجزاء منها، وبث الدسائس والفتن والأفكار العلمانية والقومية في أركانها، كل
ذلك لإنهاء الرابطة الإسلامية وفسخها، ومن ثم اقتطاع الأمصار الإسلامية وتقسيمها،
والقضاء على تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. إن الركيزة
[117]
نظمي، د. وميض: الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية، مرجع سابق، ص62-63.
[118] حلاّق، د. حسّان:
دور اليهود والقوى الدولية..، مرجع سابق،ص63.