العديدة
التي قامت بها تلك القوات، لجأ الولاة إلى تكوين قوّات محلية، جاهزة لتنفيذ
الأوامر عند الحاجة، من دون الاعتماد على القوات التقليدية. وقد أدى هذا التطور
إلى ظهور حالة من الصراع والصدام، من وقت لآخر، بين القوات الإنكشارية من جهة،
والقوات المحلية من جهة أخرى. وكانت القوات الإنكشارية هي الأقوى داخل بغداد،
لخبرتها العسكرية والميدانية المتراكمة. فإذن، كان الوالي أو السلطان في الإدارة
المركزية يسعى لتثبيت سلطانه بإضعاف القوة النامية في جهازه إلى درجة المنافسة
لقراره والتمرّد على حكمه. فحينما كانت تتجاوز القوات العسكرية حدود صلاحياتها
المرسومة لها، وتظهر حالة التمرد، وعدم الطاعة، حينها كان يخطط السلطان لتحجيمها،
وإعادتها إلى حجمها الطبيعي، وكانت الطريقة -آنذاك - تتلخص باللجوء إلى تأليف قوة
عسكرية جديدة، تأخذ شرعيتها وقوتها من السلطة، منافسة لمهام القوة التقليدية،
وتكون مقربة للسلطة. وبالرغم من كونها جديدة في ممارساتها، إلا أنها أكثر انضباطاً
وإطاعة للأوامر. فإن اصطدمتا معاً، سيلجأ الفريقان المتصارعان إلى حكم السلطان
ليفضّ النزاع بحكمته وإدارته في الظروف الاعتيادية، وأما في الظروف غير الطبيعية،
سيسعى كل طرف لنيل الشرعية والإمكانيات من إحدى الخطوط الحاكمة، فتتوزع مراكز
القوى على الفرقاء المتنازعين، وهكذا سنصل إلى الحقيقة المؤلمة التي تتلخص، بأن
الصراع بين قوتين نظاميتين داخل النظام الواحد، وضمن مهام مشتركة ومتداخلة بين
القوتين، يعكس بوضوح صراع مراكز القوى، هذا الصراع النازل على شكل محاور متقابلة
من السلطة العليا إلى أطرافها على الأرض، فلذلك برزت حالات من التمرد بين الوالي،
وبين الباب العالي، وبين القوات التقليدية والقوات المحلية -أيضاً-([91]).
وهذا - بالفعل - مـمّا أضعف السلطة المركزية في بغداد، وأظهر عجزها في تحقيق
الحماية اللازمة للبلاد، وبالمقابل كان - هذا الضعف - عاملاً مهماً لانتعاش سلطة
العشائر، وبروز دورها كقوةٍ مؤثرةٍ على مجرياتالأحداث.
إن تدهور القوة العسكرية في العراق، ليس إلا امتداداً
للانحلال العام للقوة العسكرية العثمانية، وبالرغم من اعتماد الولاة على القوات
المحلية إلا
[91]
للتفاصيل التاريخية، أنظر نوار، عبد العزيز سليمان: المرجع السابق، ص11
ومابعدها.