المعارك
المصيرية للأمة مستقبلاً، وكان هذا الاتجاه هو خيار الإسلاميين من العلماء
والمثقفينالملتزمين.
الاتجاه الثاني: الدخول في العملية
السياسية، والاستمرار في المعارضة إذا آقتضى الأمر، لصالح بناء الوطن، وذلك من
داخل النظام وتحت قبة البرلمان. وكان هذا الخيار قد سلكه التيار الإسلامي المسيّس،
الذي بقي في الساحة السياسية معارضاً في حدوده الخاصة، جنباً لجنب مع الوطنيين في
معارضتهم لحكومة نوري السعيد «وذلك بعقد مؤتمرات عشائرية في منطقة الفرات الأوسط
[عمق التحرك الإسلامي]، ففي كانون الثاني 1931، قام ممثلو المعارضة بجولة في الحلة
وكربلاء والنجف، إلا أن نوري أعدّ العدة للتصدي لمثل هذه المؤتمرات، وتمتع في ذلك
بتأييد الملك. فقد سخّر (صدى العهد) لشن حملة صحفية ضدها، وأوعز للسلطات المحلية
في مدن الفرات الأوسط بالضغط على تحركات المعارضة ووفودها ومنع توسيع دائرة نشاطها
ونفوذها»([1510])،
ويبدو أن نوري السعيد أدرك بوضوح أثر الإسلاميين والصحافة المحلية في حركة
المعارضة السياسية، لذلك واصل أسلوبه القمعي ضد العلماء والصحافة الهادفة أو
القريبة من الاتجاه الإسلامي. فعطل عدداً من الصحف البغدادية، مثل (الثبات)
و(الأخبار)، كما امتد قرار التعطيل إلى خارج العاصمة مثل (البلاغ) و(الحق)
الصادرتين في الموصل. وقد استحدث دائرة (ملاحظية المطبوعات) لغرض توحيد مصادر
الأخبار للصحفيين، كما ووضع قانوناً جديداً للمطبوعات، يمنح الحق لمجلس الوزراء أو
وزير الداخلية، في تعطيل أية جريدة أو مجلة في مدة تتراوح ما بين الشهر والسنة،
ومن دون إجراء تحقيق في ذلك، بل تحدده ضرورة النظام([1511]).
وهكذا، تمّ ترويض هذا الاتجاه الإسلامي المسيّس بشكلٍ عام في إطار المعارضة
المطلبية المحدودة، أي البعيدة عن أطروحة التغيير الجذري، لإنقاذ البلاد والعباد
من مخالب الاستعمار البريطاني، والوصول إلى الاستقلال التام للعراق. ولعل الظروف
الذاتية والموضوعية لا تسمح لأصحاب هذا الاتجاه بتبنّي خيار الجهاد