لم يكتفِ
الإنكليز بهذا الإنجاز، بل فتحوا جبهة جديدة كأسلوب هجومي إلى عقر الدار، ألا وهي
الجبهة الثقافية - الفكرية، وذلك عندما تيقنت السلطات البريطانية عبر مراحل الصراع
السياسي في العراق، إن سرّ القوّة لدى الشعب يكمن في التزامه بالإسلام، وبالقيادة
المرجعية - العلمائية التي تستوحي مبادأها وعزيمتها من الإسلام، وبمعنى آخر،
وانطلاقاً من إدراك الدوائر البريطانية في أن العقبة الكأداء أمام مشاريعها
الاستيلائية في المنطقة هو الإسلام، فعليه تمّ تشخيص العلاج الواقي لهذه الأزمة في
زعزعة أسس هذه العقيدة من نفوس المسلمين عبر عمليات الغزو الفكري والثقافي، فلذلك
عملت جهدها لضرب هذه القيم المتأصلة في أعماق العراقيين، ففتحت آفاقاً واسعة للمعركة
الثقافية، مما زاد في مسؤولية العلماء الإسلاميين للوقوف أمام الشبهات المثارة حول
الشريعة الإسلامية وتقديم الوعي الإسلامي الأصيل للأمة. وكيف لا تتضاعف مسؤولية
العلماء والمربين الإسلاميين على ضوء مستجدات المعركة الثقافية؟. والحال أن بعض
الباحثين يعود بتشخيصه لهذه المسؤولية إلى ما قبل ثورة العشرين، حيث يعدّ من أسباب
عدم مواصلة العمل الجهادي ضد الغزاة وأذنابهم إلى «ضعف المستوى الثقافي لجماهير
الشعب، وعدم انتشار حركة التبليغ [الإسلامي] بينها»([1432]).
بالمستوى المطلوب، لذلك اضطر الإسلاميون، وعلى رأسهم العلماء لخوض المعترك الثقافي
العصيب، خوفاً من محاولات تمييع الهوية الإسلامية لدى الشعب، من خلال تشويه معالم
الإسلام، وتضعيف القيم الأصيلة، وذلك تحت بريق التطور العلمي والتكنولوجي، إلى
جانب إغراء الناس بتوزيع المناصب