كل مساهمة حقيقة في حكم نفسه،
وأهملوا ما كان للشعب والأفراد من حقوق في الدستور»([1430]).
على ضوء تلك المستجدات وما كان يختزنه العلماء من توجهات
خاصة بهم، عادوا ليفكروا مليّاً، بأن المرحلة هي مرحلة المواجهة الثقافية، فتشخّصت
الوظيفة الشرعية لديهم باتجاه بناء الأمة عقدياً وثقافياً وتوعوياً، الهدف منه
استئصال الغدد المسببة لتلك الأمراض - التي أشرنا إليها - داخل الأمة، وبالتالي
إعادة الثقة لنفوس الناس، تلك الثقة التي تزعزعت فترة غياب القيادة المرجعية عن الساحة،
لا سيما لو عرفنا أن الإنكليز والحكومة والملك استغلوا فترة الغياب لمصلحتهم
فأشاعوا في الأمة أفكاراً مغرضة مؤداها أن حالة عدم استقرار النظام وسيادة
الاضطرابات، إنما تعود لتدخل علماء الدين بالسياسية، وهكذا فقد سادت في الساحة
الاجتماعية العامة ثقافة خاصة ترمي بالمسؤوليات على علماء الدين، وقد عبّرت بعض
الأهازيج الشعبية عن تلك الظاهرة، نذكر أُهزوجة واحدة كشاهد على تلك الثقافة
الجديدة وهي: «وجّوها وذوبّوها اعلينه». أي إن العلماء قد ألهبوا الساحة بنار
الثورة، ورموها علينا، فتركونا لوحدنا نتحمل مسؤولية نتائجها([1431]).
ومما لا يخفى، لقد كان الإنكليز يشجعون هذه الثقافة لزرع الفرقة، بين
العلماء والناس، من ناحية، وإثارة الفتنة بين الناس أنفسهم من ناحية أخرى، مستغلين
طيب العراقيين خصوصاً أبناء العشائر، لذلك تحوّلت المعارضة الإسلامية من أسلوب
الهجوم والاقتحام والمبادرة في الساحة، إلى حالة الدفاع والسعي وراء الأحداث، مما
أضعف تأثيرها، بينما واصل ساسة الحكم طريق الاقتحام من معركة إلى معركة، ومن خندق
إلى خندق، ضمن خطة بريطانية متواصلة الحلقات، وعبْر تزوير الحقائق وإشاعة الوعود
الخلاّبة، والتضليل الإعلامي. وهكذا حتى استتبت الأمور بصورتها الدستورية - شكلياً
- في المجلس التأسيسي، وحينها فرضت السياسة البريطانية على العراق.