يقول السيد محمد باقر الحكيم: «إن الوعي
السياسي العام لدى المرجعية المتصدية (مرجعية الشيخ الشيرازي) كان محدوداً حيث كان
يحكمها تصوّرُ أنّ البديل للسلطة الأجنبية (الإنجليز) هو الحكم الإسلامي، إذ لم
يكن معروفاً وجود خيار وصيغة ثالثة في التاريخ الإسلامي. ولذا كان التصور إنه
بمجرد خروج العراق من الهيمنة الأجنبية [يعني] قيام الحكم الإسلامي. وأما الحكم
الوطني فهو حكم مجهول وغريب، مع أن هذا الحكم كانت له قواعد في الأوساط السياسية
المتصدية خصوصاً السنيّة بتأثير جمعية الاتحاد والترقي التركية والنشاط السياسي
للاستعمار والأجانب»([1420]).
صحيح أنّ ضعف الوعي السياسي والإداري المشار إليه، من
السمات العامة لتلك المرحلة لعموم المتصدين للساحة العراقية، قياساً بالوعي الثوري
والجهادي، إلاّ أننا قد أشرنا سابقاً بأن مفجر الثورة - الإمام الشيخ الشيرازي -
كانت لديه خطة إدارية للبلاد ما بعد الثورة، ستنتهي إلى تشكيل حكومة إسلامية وطنية
مستقلة في العراق، ولكن القَدَر لم يُمهله، ففي قمة التحدي وعلى عتبة قطف ثمار
الثورة على المستوى السياسي والإداري، فارق الحياة في ظروف حرجة، أو مات جرّاء سمّ
دسه له الإنكليز كما أُشيع بين الناس([1421]).
والذي يدعم رأينا ضمن المعطيات التاريخية على أرض الواقع، هو تشكيل حكومة وطنية في
كربلاء، عاصمة ثورة العشرين، ومقرّ قائد الثورة، وقد أُقيم احتفال وطني كبير في
يوم رفع العلم الوطني العراقي لأول مرةٍ يرفرف في سماء العراق من على بناية بلدية
كربلاء - كما تحدثنا عن هذا الاحتفال سابقاً-. إلاّ أن المستعمرين البريطانيين
كشّروا عن أنيابهم السامة، وفقدوا صوابهم أمام هذا التطور الخطير بالنسبة لوجودهم،
فحاربوا هذه الحكومة بقوة العسكر، من دون خجل أو إستحياء، ظناً منهم -وهو ظن في
محله - إن هذه الحكومة ستكون النواة الطبيعية للتعاون مع التشكيلات المحلية في
المناطق الأخرى، وبالتالي ستشكل منها حكومة عراقية مستقلة. ومن هنا قضوا على الشيخ
القائد ليقطعوا الطريق أمام نجاح التجربة