أما ولاية
بغداد فكانت أهم الولايات العراقية، وكان واليها (الباشا) من المرتبة الأولى،
بينما الولاة الآخرون كانوا من المرتبة الثانية في الموصل وشهرزور، وأما ولاية
البصرة فقد تبادلها الولاة العثمانيون وشيوخ المنتفك وشيوخ الحويزة غير مرة فكانت
في موضع الطمع من قبل الآخرين، وكان من العسير على ولاة بغداد أن ينقذوها من متاعبها،
وأن القطع العثمانية البحرية التي وضعت أمامها كانت عاجزة عن حفظها دوماً. أما
ولاية كردستان فلم تعمر طويلاً، لأنها امتازت بكثرة الإمارات والعشائر الكردية
المتنافسة فيما بينها، وكانت سياسة العثمانيين تقضي بالاعتراف بالعصبيات المحلية
في حدود معينة([50])
إلاّ أن بعض الباشوات كان يطمح إلى ربط الولايات بالقرار المركزي في بغداد، فمثلاً
داود باشا (1817-1831م،1232-1246هـ) آخر الولاة المماليك([51]) في
العراق، وإن كان -كما يعتبره بعض المؤرخين - مقلداً في كثيرٍ من الأمور لسياسة
محمد علي باشا في مصر، إلاّ أنه واجه بعض القبائل العربية والكردية بقبضة حديدية
بهدف القضاء على الروح الانفصالية لدى بعض القبائل وربطها بالقرار المركزي تحت
سلطته. لذلك أخمد الانتفاضات القبلية وأقصى الشيوخ غير الموالين له، ووضع رجاله
على رأس بعض القبائل العربية، وكانت تعترضه صعوبة خاصة لإخضاع كردستان للحكم، وذلك
لتحالفها مع ملك إيران، فكانت تتدخل القوات الفارسية إلى جانب الأكراد ضد الباشا
والحكومة العثمانية. وهكذا كانت تتضاعف معاناة الباشا - أحياناً - من تمرد العشائر
الكردية، فكان يصب جام غضبه على الفرس الذين كانوا يعيشون في العراق وعلى الشيعة
في الوسط والجنوب لتعاطفهم مع شيعة إيران([52]).
«فقد أمعن في اضطهادهم وصادر ممتلكاتهم، وألقى القبض
عليهم، وأُبيد الكثير منهم، وأُخذت الكنوز التي كانت تعود (لعلماء) الدين في
كربلاء والنجف.. وهذا مـمّا زاد من حدة النزاع التركي - الإيراني الناجم بصدد
كردستان، وأدى إلى حرب 1821-1823م، [1237-1239هـ] وفي هذه الحرب كان التفوق بجانب
الفرس.. إلاّ أن وباء الهيضة اضطرهم إلى التراجع إلى أرضهم وتوقيع صلح (أرضروم) في
آذار عام