وهو استمرار الوجود البريطاني في العراق، باعتباره أفضل
الطرق المؤدية إلى الهند - الدرة اللامعة في التاج البريطاني - كما وأن السيطرة
على العراق تعني السيطرة على نفط الخليج، وعليه فقد مورست سياسة الشدة من قبل
سلطات الاحتلال البريطاني أعقبتها سياسة اللين لغرض الاحتواء السياسي للمعارضة
المتنامية، وذلك حسب مقتضيات المرحلة. وقد كانت الفرصة سانحة لتنفيذ الخيار الأول
في إجراء التفاوض مع زعماء الثورة الدينيين والاجتماعيين، وذلك إثر وفاة الإمام
الشيرازي قائد الثورة في الثالث من ذي الحجة 1338هـ الموافق 17 آب 1920م، وانتقال
الزعامة الدينية إلى الإمام شيخ الشريعة الاصفهاني([996])،
المولود في 12 ربيع الأول 1266هـ، والمتوفى في 8 ربيع الثاني 1339هـ، «فرأت
الحكومة أن تبدأ بفتح باب المفاوضة مع الزعيم الديني الجديد»([997])
فبعث وكيل الحاكم الملكي العام (السير آرنولد ولسن)([998])
بتاريخ 13 ذي الحجة 1338هـ الموافق 27 آب 1920م إلى شيخ الشريعة الاصفهاني «كتاباً
يطلب فيه الدخول في مفاوضات تمهيدية لحل المشكلة»([999])
القائمة بين الشعب الثائر وسلطات الاحتلال البريطاني، إلا أن هذه المحاولة باءت
بالفشل الذريع، وذلك - كما يظهر لنا - لأن مستشاري (ويلسون)، أو لأن (ويلسون)
بذاته - ضمن تلك الظروف العسكرية والأوضاع النفسية المتأزمة - لم يوفّق في مخاطبة
المرجع الديني الجديد بالأسلوب المرضي فقد كانت رسالته استفزازية للرأي العام،
وربما كانت هذه الرسالة في ذلك التوقيت الحسّاس ضمن الخطة المرسومة من قبل الحكومة
البريطانية. فجاء الردّ الطبيعي من قبل المرجع القائد بالتمسك بالثورة ورفض
المفاوضات السياسية قبل الجلاء رفضاً تاماً([1000]).
وكان (ويلسون) في رسالته قد حمّل