والترقي وانعكاسات
سياستها على الشعوب الإسلامية. والثانية خارجية من الدول الأجنبية التي استنفرت
قواها لاختراق الكيان الإسلامي العثماني حكومة وشعوباً، بل لافتراسه وتوزيع تركته
الهائلة. ولابد أن نشير أيضاً -ونحن في صدد تبيان الخطر الداخلي المتمثل في ثورة
الاتحاديين - إلى دور أعداء الإسلام والدولة العثمانية من دعاة القومية التركية
ومن ثم القومية العربية، التي نشأت رداً على الطورانية، وبتحريض منسق من الاستعمار
واليهود بالتحديد، حيث تلاقت أهداف أعداء الشريعة الإسلامية، وأعداء الدولة
العثمانية، في داخلها وخارجها لوضع خطط سياسية محكمة لغرض إنهاء وجود الدولة
العثمانية من قبل دعاة القومية التركية، وكذلك لترويج فكرة القومية العربية ودعمها
بشتى الوسائل لتنال الدول العربية استقلالها عن الدولة العثمانية، ومن ثَمَّ ستسقط
أسيرة في شراك الدوائر الإستكبارية تحت بريق التحرر والثورة!! وذلك لضعفها
وتجزأتها، وبالفعل هذا هو الذي حصل بالنتيجة. يقول محمد علي الزعبي:
«الدونمة([34])،
هم ماسون تركيا المستترون باسم اتحاد وترق، وإن خدع بعض الأتراك.. أسسوا حزب
(تركيا الفتاة) ليدفعوا العرب لتأسيس (العربية الفتاة) تنفيذاً للمخطط اليهودي
الدونموي الذي يرى شطر السلطنة التركية إلى قومية عربية وقومية تركية، يراه مدخلاً
أو طريقاً لابد من تعبيده ليسلكه إسرائيل تحقيقاً لمخططاته المعلومة، ينتطح القوميتان
ويهدمان برجاً يعجزان عن إعادة بنائه. وتفوز اليهودية بالأسلاب»([35]).
فمن هنا
كانت الصهيونية تشخص مصدر العداء الحقيقي لوجودها ولطموحاتها في دولة الخلافة
العثمانية، فإنها العقبة الكأداء أمام مشروعها الاستيلائي في المنطقة. فلذلك كانت
محاولاتها الحثيثة مستمرة، وضغوطها غير متوقفة أبداً نحو السلطان عبد الحميد
الثاني، وبشتى الإغراءات، لتنال أبرز أحلامها في إقامة دولتها في فلسطين. وحينما
اصطدمت بموقف
[34] (الدونمـة) كلمـة
تـركيــة تعــني مرتداً، ملحـداً، زنديقاً، كـافراً..، وهـم يهــود يزعمــون
الإسـلام كذباً، يعيشون بوجهين: يصلّون ويصومون ويحجّون كالمسلمين، ويقرؤون
التلمود والعهد القديم أيضاً، أسماؤهم فـي أوكـارهـم: عـزرا، وشمعـون، وحاييـم،
وفـي السـوق والوظيفـة: أحمد ومحمد وحسين وزينب وعائشة. يقول ابن زفي (مؤلف كتاب
الدونمة، الصادر عام 1957 وهو الرئيس السابق لإسرائيل): «إن يهوداً كثيرين وكثيرين
جداً يعيشون بين الشعوب بطبيعتين: إحداهما ظاهرة وهي اعتناق دين الشعب الذي يعيشون
في وسطه اعتناقاً جماعياً وظاهرياً. والثانية باطنة وهي إخلاص عميق لليهودية».
للتفاصيل راجع الزعبي، محمد علي: الماسونية في العراء، طبع سنة 1399هـ، 1979م - لم
يذكر مكان الطبع - ص218 ومابعدها.