2. تطور السياسية
العثمانية - داخلياً وخارجياً - (نظرةعامة)
إن الدولة
العثمانية استطاعت أن تصد الخطر الصليبي لفترات طويلة بالقوة. إلاّ أنها ما
استطاعت أن تبلور وعياً ثقافياً إسلامياً يمدّ هذا التصدي - باستمرار - عزيمةً
وإصراراً، بتمكين أدوات الصراع الميداني في الأمة، وبالتالي لكسب الغلبة على
الأعداء دوماً، وظهر جلياً في أيام ضعفها بالمراحل الأخيرة. يقول أبو الحسن
الندوي:
«كان العالم الإسلامي، من شرقه إلى غربه مصاباً بالجدب
العلمي، وشبه شلل فكري، قد أخذه الإعياء والفتور، واستولى عليه النعاس.. وترى هذا
الخمود شاملاً للعلوم الدينية والفنون الأدبية والمعاني الشعرية، والإنشاء
والتاريخ ومناهج التعليم، فلا تجد في كتاب التراجم التي ألفّت للعصور الأخيرة من
تطلق عليه لقب العبقري أو النابغة.. إذا استثنينا بعض الأفراد في أطراف العالم
الإسلامي»([32]).
وشمل
الخمول والتراجع مجالات العلوم والصناعات الحديثة، فمثلاً:
«لم تدخل المطابع في العاصمة والمحاجر الصحيّة في هذه
الدولة إلاّ في القرن الثامن عشر، وكذلك مدارس الفنون الحربية على النسق الأوروبي،
وفي آخر هذا القرن كانت تركيا بمعزل عن الصناعات والاكتشافات، حتى لـمّا شاهدوا
بالوناً يحلّق فوق العاصمة ظنوه من أعمال السحر والكيمياء. قد سبقتها دول أوروبا
الصغيرة في الأخذ بأسباب المدنية والرفاه العام..»([33]).
هذا، والذي يمكن أن نشير إليه ضمن بيان حالة السياسة العامة للدولة
العثمانية على مستوى الداخل هو وصول الدولة إلى درجة التآكل والضعف في نهاية
المطاف، هذه الحالة تزامنت مع ظهور أوروبا المتنمّرة على مسرح الأحداث الدولية ضد
الدولة العثمانية من الخارج فتمّ تطويقها تطويق السوار الحديدي بالمعصم، وبالفعل
أصبحت الدولة العثمانية بين كمّاشتين خطيرتين، إحداهما داخلية تمثلت بجمعية
الاتحاد
[32] الندوي، أبو حسن:
ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، دار الكتاب العربي - بيروت 1402هـ، 1982م،
ط7،ص151.
[33]
المرجع ذاته، ص154. للمزيد من المعلومات راجع الفصل الثالث من المرجع ذاته (دور
القيادة العثمانية). ص144-155.