سنّي في النجف،
كما أصدروا تعليمات غريبة تقضي بأن يرتدي العمال زياً موحداً حسب إنتمائهم القومي
والطائفي. فقد أصبح لزاماً على العمال العرب من السُّنة العاملين في مشاريعهم أن
يرتدوا كوفية حمراء وعقالاً أسود، فيما كان على إخوتهم من عمال الشيعة أن يرتدوا
كوفية زرقاء وعقالاً أبيض. وحاولوا أيضاً دغدغة عواطف المسيحيين الدينية وربطهم
بهم بوشائج قوية.. [وقد] وردت إشارات صريحة في التقارير البريطانية الخاصة التي
تعود إلى تلك السنوات، إلى تعلق آمال المسيحيين بالبريطانيين»([783]).
وبالرغم من ذلك استطاعت القيادة الإسلامية المتمثلة
بمراجع الدين أن يحبطوا تلك المحاولات بالتمسك بالوحدة الإسلامية لضمان وحدة
المسلمين بمختلف مذاهبهم وقومياتهم، وبالوحدة الوطنية لضمان وحدة العراقيين بمختلف
أديانهم وطوائفهم. فقد أصدر الشيخ محمد تقي الشيرازي - المرجع الأعلى - في أواخر
1337هـ صيف عام 1919م توجيهاته إلى العراقيين الشيعة بحضور مساجد السنّة، وتابعه
في ذلك الشيخ مهدي الخالصي في الكاظمية (1276-1343هـ، 1859-1925م)
بتوجيهاتمماثلة.
وبالفعل
فقد زار جمع من العلماء الشيعة منطقة الاعظمية ببغداد للتشاور مع علماء السُّنة
فيها. ويعلّق الشيخ محمد رضا الشبيبي على هذه الزيارة بقوله «لقد كانت زيارة أعلام
الشيعة هذه للأعظمية وانبراؤهم فيها لتأليف القلوب، أول زيارة في التاريخ وقعت من
نوعها بين الفريقين»([784]).
هذا وستتوضح خطة الإعداد الثوري أثناء حديثنا عن الإمام الشيرازي مفجر
الثورة ضد المحتلين، وعن كيفية توظيف الإساءة العامة من سياسة المحتلين باتجاه
الثورة، وكذلك كيفية استثمار طاقات المثقفين نحو شحذ الهمم، حيث رعيت الاجتماعات
المكثفة من قبل الإمام وابنه الميرزا محمد رضا الذي كان فاعلاً بدرجة عالية لغرض
التصعيد إلى مستوى المواجهة السياسية في بغداد وغيرها ومن ثم المقاومة العسكرية
المسلحة. يقول الدكتور الوردي: «إن بوادر الحركة الوطنية ظهرت في بداية الأمر في
بغداد وكربلاء، أولاهما