بريطاني، بينما الطموح يقتضي انتزاع
الاستقلال التام من المحتلين. إلا أنه في الوقت ذاته، لا تشكل الطموح البريطاني
أيضاً، على الأقل لدى أجنحة معينة في الإدارة البريطانية، في الهند مثلاً. لان
طموح هذا الجناح يتلخص في أن يختار شعب العراق التبعية المطلقة لبريطانيا، وعليه
يتحول العراق إلى محميّة بريطانية بإرادة العراقيين انفسهم، فلذلك أصبحت سمة تلك
المرحلة هي الصراع ما بين النظريتين، الأولى تدعو للحكم البريطاني المباشر،
والثانية تدعو للحكم غير المباشر عبر واجهات محلية من العراقيين ينفّذون الإرادة
البريطانيةبحذافيرها.
ومهما تكن الملابسات في إدارة هذه العملية الاستفتائية،
فإنّها اسفرت عن تقديم مضابط موقعه بالإكراه، تؤيد الوصاية والانتداب البريطاني،
بينما أُسقطت مضابط أخرى لم تؤيد مطالب إدارة الاحتلال، في حين قُدّمت مضابط أخرى
موقعه من قبل كبار التجار والملاّكين وبعض شيوخ العشائر وممثلي الاقليات الدينية
تؤيد فيها الوصاية والانتداب على العراق([659]).
حيث قدّم اليهود المقيمون في العراق عريضة خاصة بهم، التمسوا فيها بقاء الإدارة
البريطانية المباشرة، وكذلك طالب المسيحيون - أيضاً - بعد أن رفض ممثلوا الاقليات
التوقيع على مضبطة المسلمين([660]).
إلا أن سير الاستفتاء في معظم مناطق الفرات الأوسط، ولا
سيما في المدن المقدسة، النجف، وكربلاء، والكاظمية، وحتى بغداد. لم يكن بالأمر
اليسير، وبذلك تعتبر مواقف الحركة الإسلامية إثر عملية الاستفتاء، مرحلة من مراحل
المواجهة السياسية الساخنة، التي نضّجت العملية الثورية التي انتهت باشتعال نيران
الثورة سنة1920([661]).
فلقد شهدت هذه المدن المهمة، والمناطق العشائرية المجاورة لها، لا سيما الشاميّة
وابي صخير، شجاعة كافية في إبداء آرائهم بالاستفتاء، حيث طالبت مضابطهم بالاستقلال
التام، بزعامة أمير عربي مسلم. وكانت سلطات الاحتلال تعاني من هذه المضابط، مـمّا
دفعها للاحتيال والمكر لتزوير الحقائق، يذكر الشيخ محمد رضا الشبيبي نموذجاً من
عملية إجراء الاستفتاء في الديوانية، والتدخل السافر من قبل الحاكم السياسي
للمنطقة، وكان شاباً إنكليزياً يعترض الناس