ومما يذكر، إن الذي ساهم في زيادة ارتباك السياسة
البريطانية في العراق، آنذاك، هو البيان الذي نشره (الجنرال مود) قائد القوات
البريطانية في العراق، إلى أهالي بغداد في 19 آذار 1917م - 26 جمادى الأولى
1335هـ. والذي هو في الحقيقة صادر عن الحكومة البريطانية في لندن، وكان من صياغة
(السر مارك سايكس) وهو من أعضاء المكتب العربي بالقاهرة. وقد نشر باللغتين العربية
والإنكليزية([573]).
وقد جاء فيه: «إننا جئناكم محرّرين، لا فاتحين، وقد طرد العرب من الحجاز الأتراك
والجرمان الذين بغوا عليهم، ونادوا بعظمة الشريف حسين ملكاً عليهم، وهو متحالف
معنا كما تحالف أشراف العرب وأحرار نجد والكويت وعسير، فيا أهل بغداد، هيّا
للتعاون معنا لتحقيق اطماحكم القومية..»([574]).
وقد «اشتهر هذا البيان باسم (بيان مود) لانه كان مذيلاً
بتوقيعه، ولكن الواقع أن (مود) لم يكن راضياً عنه، بل هو أصدره مرغماً، وكان رأيه،
أن البيان غير ضروري، وليس في أوانه، وهو سيثير في السكان آمالهم واطماعهم في
الوقت الذي يجب فيه أن تبقى سلطة الجيش هي السائدة لا ينازعها أحد»([575]).
إلاّ أن الحكومة البريطانية بدأت تتوجه في حسم رأيها بالعراق، باتجاه تبني أفكار
مدرسة القاهرة، مبتعدة عن مدرسة الهند. لذلك بدأ التمجيد للثورة العربية، وقائدها
الشريف حسين من قبل (كوكس) وأعوانه، وبدأ البريد العسكري يوزع جريدة «القبلة»
الناطقة بلسان الثورة العربية، وجريدتي «المقطم» و«الكواكب» اللتين كانتا تصدران
باشراف المكتب العربي في القاهرة، وهما تدعمان خط الثورة العربية، وكذلك وزعت
السلطة في العراق كتاب (ثورة العرب) لأسعد داغر، على وجهاء المدن
ورؤساءالعشائر.
وهذا
الاختلاف في الرأي، ما انتهى بعد نشر (بيان مود)، بل تفاقمت