بالقوانين؟ واشتد الخلاف بين أنصار
الاتجاهيْن حتى صار «البحث والجدل بين العلماء والأدباء والطلبة والشعب في النجف
نهاية في العنف والقسوة، وتمخّض الجدل فأولد الانقسام إلى طبقتين: أحرار ومستبدين،
ولكن الأكثرية من المجتهدين أفتوا بالحرية وبوجوب الأخذ بنظرية الملكية المشروطة
بالدستور و(الديمقراطية»)([363]).
يقول د.
عبد الله فياض: «لقد ساهم الإيرانيون بما فيهم بعض العلماء الساكنون في العتبات
المقدسة العراقية، بحركة بلادهم الدستورية. فكان لوجودهم بين ظهرانينا أثر مهم في
تنبيه العراقيين وخاصة سكان الأماكن المقدسة منهم، لأضرار الاستبداد ولأهمية الحكم
الدستوري في حياة السكان. ومع هذا فان تأثير عامة الإيرانيين محدود. ولكن تأييد
العلماء ذوي الكلمة العليا في حياة معظم العراقيين والإيرانيين في ذلك العهد
للحركة الدستورية، أكسبها قوةً وقبولاً، لا في الأوساط الإيرانية فحسب، بل في
الأوساط العراقية أيضاً. وكان النجف الأشرف مركز هذه الحركة»([364]).
وشهدت الساحة العراقية تفاعلات متعددة مع فتاوى العلماء التي وزّعت بكثافة بين
الناس «وعمّ النقاش والجدل معظم أنحاء العراق بين مقلدي أولئك المجتهدين، فكانت
مدرسة شعبية كبرى استعرضت جميع النظريات في شكل الحكم وأنتجت وعياً عاماً في
العراق»([365]).
ولم يكن الجدل محصوراً بين علماء الشيعة ومقلديهم فحسب، وإنما «أخذ السُّنة
العراقيون بدورهم يشتركون في الجدل وينقسمون حول المسألة.. ووجد الدستوريون
العراقيون سواء كانوا شيعة أم سنة، قضية مشتركة يدافعون عنها»([366]).
وعليه، فإن الدستورين في تبنّيهم للمشروطية، وحركتهم نحوها، توّجوا أطروحة
الإسلاميين الإصلاحية سياسياً، فتركوا آثاراً ملحوظةً على المستوى الثقافي
والاجتماعي في الساحة العراقية، حيث «كانوا يدعون إلى تأسيس المدارس الحديثة،
وتعلم اللغات والعلوم الأوروبية، ومطالعة