حضور
القيادة المرجعية في الأوساط الشعبية، فتلاحمت القواعد الاجتماعية والثقافية مع
القيادة المرجعية، وبذلك برزت الطائفة بثقافتها وممارساتها ومواقفها السياسية
كجماعة متميزة عن غيرها، لها أهميتها وقوتها على الساحة العراقية، فمن وراء
المجتهد القائد، هنالك العمق الشعبي الكبير في العشائر والمدن. وبمعنى آخر، توافر
العالِم المجتهد وهو رجل القرار المطاع من قبل شعبٍ شجاع، منضبط أمام قرارات
وفتاوى القائد المجتهد، الذي يفكر بوعي وبصيرة لإنقاذ شعبه وبلاده. ومـمّا لا يخفى
على الباحثين استمرار العلاقة غير الطبيعية بين الدولة العثمانية والشيعة على
المستوى السياسي والإداري فضلاً عن القضية الشرعية وهي الأهم، حيث كان السائد عدم
الاعتراف المتبادل بين الطرفين، فلا السلطات العثمانية شرعية بالمعنى الدقيق في
نظر علماء الشيعة، ولا المذهب الشيعي معترف به من قبل العثمانيين أسوة بالمذاهب
الإسلامية الأخرى. ولا بد أن نشير إلى أن للسيد جمال الدين والمدرسة الإصلاحية
محاولات جادة للتقريب بين السلطة العثمانية والمرجعية الشيعية بما يحقق المصلحة
العامة للعبادوالبلاد.
أثر حركتي الدستور، الإيرانيةوالتركية
إن حركة
المطالبة بالدستور (المشروطية)([362])
في إيران خلال (1905-1906م)، أظهرت تياريْن متعارضيْن بين علماء المسلمين الشيعة،
هما: التيار المنادي بالدستور المقيدّ لسلطة الحاكم، يقابله التيار المؤيد للحاكم
بسلطته المطلقة. وكان محور الأزمة بين التياريْن ينطلق من اختلاف وجهات نظر
العلماء المجتهدين اتجاه طريقة الحكم، فهل تتطابق النظرية القائمة - حيث الحكم
المطلق للسلطان - مع الشريعة الإسلامية، وتحقق مصالح المسلمين، أو الحكم الدستوري
النيابي حيث يتقيّد الحاكم