إلا بعد إجازة من المرجع الحي، وذلك ليعود المجاز في
بقائه على تقليد المرجع الميت إلى المرجع الحي في المستجدات الفقهية والحركية.
ومعنى ذلك هو استمرار القيادة الفعلية لأتباع هذا المذهب من قبل المجتهدين -
المراجع الأحياء - في شتى الظروف والأحوال، ففي نظر الامامية أن المجتهد هو
الامتداد الشرعي لقيادة الإمام عليه السلام، الذي هو الخليفة الشرعي للرسول الأكرم
صلى الله عليه وآله وسلم، وأن الرادّ عليه كالراد على الإمام، والراد على الإمام
كالراد على النبي، في قراره الديني والسياسي، وهنا يكمن سر الطاعة والانقياد من
قبل المؤمنين لعلمائهم، ومن هنا نستوضح التماسك المتين بين القيادة المرجعية وعموم
الناس. يقول الدكتور حامد حفني، وهو في صدد بيان أهمية فتح باب الاجتهاد عند
الشيعة الامامية: «بل يشترطون وجود (المجتهد
المعاصر) بين ظهرانيهم ويوجبون على الشيعة إتّباعه رأساً دون من مات من المجتهدين،
ما دام هذا المجتهد المعاصر استمد مقومات اجتهاده - أصولها وفروعها - مـمّن سلفه
من المجتهدين وورثها عن الأئمة كابراً عن كابر.. [ويضيف] وإنما الجميل والجديد في
هذه المسألة أن الاجتهاد على هذا النحو الذي نقرأه عنهم يساير سنن الحياة وتطورها
ويجعل النصوص الشرعية حيّة متحركة، نامية متطورة تتمشى مع نواميس الزمان والمكان،
فلا تجمد ذلك الجمود المضر الذي يباعد بين الدين والدنيا أو بين العقيدة والتطور
العلمي وهو الأمر الذي نشاهده في أكثر المذاهب التي تخالفهم»([197]).ويقول السيد محمد تقي الحكيم: «إن
في تشريع جواز الرجوع إلى الأموات في التقليد ابتداءاً إماتة للحركة الفكرية
التشريعية، وتجميداً للعقول المبدعة عن الانطلاق في آفاقها الرحبة. وقد لاحظنا هذا
الواقع في الكثير من علماء الإسلام من أهل السُّنة يوم سدّوا على أنفسهم أبواب
الاجتهاد وحصروا التقليد بخصوص أئمتهم، حيث ظلت الحركة الفكرية واقفة عند حدودها
لديهم قبل قرون، وما ألّفوه بعد ذلك كان يفقد في غالبه عنصر الأصالة والإبداع»([198]). وفي اعتقادي أن غلق باب الاجتهاد يعدُّ
مؤامرةً كبيرةً تستهدف الإسلام والمسلمين لغرض تجميد التطور الفقهي والحركي
والجهادي لدى الطائفة السنية، وذلك بحصر فعالياتها في الحالة الرسمية - إن وجدت -
وينسحب ذلك إلى حصر عملية الدعوة الإسلامية والإفتاء الشرعي، وحتى إحياء ذكريات
الإسلام بالطريقة الرسمية، وليس على العلماء والشعب إلاّ
[197]
الدكتور حامد حفني داود، أستاذ الأدب العربي بكلية الألسن بالقاهرة في مقدمته
لكتاب عقائد الامامية للشيخ محمد رضا المظفر، ص17-18.