بعد
أن امتلأت غثاء من درك المبتدعة، نزلت درك المشركين، وقد أصابني هذا الدرك بكل
أنواع الدوار التي لم أتخلص منها إلا بعد فترة طويلة..
وكان
أول ما أصابني به هو أني رأيت الساكنين في ذلك الدرك يرتقون في معارج نورانية إلى
السماء المضيئة الممتلئة بالجمال، لكنهم ما إن تستقر أرجلهم في بعض جنباتها، حتى تتحرك
رؤوسهم حركات غريبة.. ثم يهرولون إلى الحافة، ويرمون أنفسهم في الجو.. ويسقطون
سقوطا حرا تتناثر فيه أجسامهم لتلتهمها طيور وحشية ممتلئة بالبشاعة..
سألت
صاحبي عن هؤلاء الحمقى الذين رفضوا البقاء في تلك الأماكن العالية الجميلة
الممتلئة بالسلام، فقال لي: هؤلاء هم المشركون الذين وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ
الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ﴾ [الحج: 31]
قلت:
هلا فسرت لي ذلك.
قال([573]) : إن هذه الآية الكريمة ترسم
صورة واقعية حيّة ناطقة عن حال المشركين وسقوطهم وسوء طالعهم.. فالسّماء الجميلة
التي صعدوا إليها هي سماء التوحيد النقي الصافي الخالي من أي شرك، والشرك هو تلك
الأوهام التي دارت برؤوسهم، فجعلتهم يرفضون البقاء في السماء،