لم يلتفت الرجل له، فراح الواعظ يرتل بصوت خاشع قوله تعالى :﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ (الانبياء:1).. يقرؤها ويكررها..
لكن الرجل ظل في غفلته.. يلهو ويلعب.. منشغلا بالنادل الذي يسقيه كل حين من شراب الغافلين عن الواعظ الذي يرتل عليه كلام رب العالمين.
تركته، وذهبت إلى الذي كان يبني قصورا من اللعب.. فسمعت واعظه يقول له منشدا بصوت جميل تتحرك له الجبال:
يا من يُطيلُ بناءهُ متوقياً
ريبَ المنونِ وصَرْفَه لا تَخْرَجِ
فالموتُ يفزغُ كل قصرٍ شامخٍ
والموتُ يفتحُ كُلَّ بابٍ مرتجِ
لم يلتفت الرجل إليه، فراح يقول له: اسمع.. فإن حقائق الآخرة المدونة في الدواوين المقدسة تقول بلسان فصيح:
لا دارَ للمرءِ بعدَ الموت يسكنُها
إلا التي كانَ قبلَ الموتِ يبنيها
فإِن بناها بخيرٍ طابَ مسكنها
وإِن بناها بشرٍ خابَ بانيها
وتقول:
الموتُ ضيفٌ فاستعدَ لهُ
قبلَ النزولِ بأفضلِ العددِ
واعملْ لدارٍ أنتَ جاعلَها
دارِ المقامةِ آخرَ الأمدِ
[559] رواه الحاكم والبيهقي وأحمد.