أما الثالث، فيفرحون به لأجل الخروج به في خدمة الملك،
فيتحملون مشقة السفر لينالوا بخدمته القرب منه، وهم لا يريدون من ذلك إلا مشاهدة
الملك والقرب منه، حتى لو خيروا بين القرب منه دون الوزارة وبين الوزارة دون
القرب لاختاروا القرب.
قلت: عرفت أحوال الشاكرين للملك الذي أهدى فرسا، فما حال
الشاكرين لله الذي أعطى من النعم ما لا يحصى؟
قال: هم كذلك ثلاثة.. وبينهما درجات لا يعلمها إلا الله:
أما الأولون، فحالهم كحال الذي يفرح بالفرس لا بالمعطى،
وهذا حال كل من فرح بنعمة من حيث إنها لذيذة وموافقة لغرضه، وهو بعيد عن معنى
الشكر.
وأما الثانية، فهي داخلة في معنى الشكر من حيث إنه فرح
بالمنعم، ولكن لا من حيث ذاته بل من حيث معرفة عنايته التي تستحثه على الإنعام في
المستقبل، وهذا حال الصالحين الذين يعبدون الله ويشكرونه خوفاً من عقابه ورجاءً
لثوابه.
أما الشكر التام فهو في الفرح الثالث، وهو أن يكون فرح
العبد بنعمة الله تعالى من حيث إنه يقدر بها على التوصل إلى القرب منه تعالى
والنزول في جواره والنظر إلى وجهه على الدوام، فهذا هو الرتبة العليا.
قلت: وعيت هذا، فما الأعمال التي تثمرها هذه الأحوال؟
قال: لقد عبر الشاعر عن ذلك وأحسن، فقال:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة
يدي ولساني والضمير المحجبا
وقد قيل للجنيد ـ وهو ابن سبع سنين ـ: يا غلام ما الشكر؟
فقال: (أن لا يعصى الله بنعمه)