قال: إنما يصل إلى هذه الدرجة المحبون الذي
شغلهم محبوبهم عن كل شغل.. إن حال هؤلاء كحال العاشق المستهتر بمعشوقه المستوفي
همه بالنظر إلى وجهه والفكر فيه، فإنه في حال الاستغراق غافل عن نفسه لا يحس بما
يصيبه في بدنه، لم يبق في قلبه متسع لغير محبوبه حتى يلتفت إليه لا نفسه ولا غير
نفسه.
لقد
أشار الله تعالى إلى هذا عندما ذكر النسوة في قصة يوسف، فقال :﴿ فَلَمَّا سَمِعَتْ
بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ
كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا
رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا
هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)﴾ (يوسف)
قلت:
وعيت هذا.. وبورك لأولياء الله ما فتح الله عليهم من معرفته ومحبته.. فحدثنا عني
وعن الظالمين لأنفسهم من أمثالي.
قال:
ما تريد أن أحدثك؟
قلت:
حدثني عن العمل الذي شيب ببعض الحظوظ.. هل أنال عليه ثوابا، أم أنال عليه
عقابا، أم أني لا أنال عليه شيئا؟
قال:
لقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا شديدا بناء على ما فهموه من النصوص المقدسة..
قلت:
فما ترى من الترجيح بينهم في هذا الخلاف؟
قال:
هو ما نص عليه قوله تعالى :﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
(7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (الزلزلة)، وقوله تعالى
:﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40)﴾ (النساء)