يوسف الصديق- قصد زكريا ليتخلص من أوهام الجاه التي امتلأت بها نفسه،
وكدرت عليه حياته.
كان
أول ما سمعت من زكريا قوله في بداية حلقته التي اجتمعنا إليه فيها([471]): من أخطر أمراض النفوس تطلعها إلى غير مولاها.. فلا تكتفي بنظره.. بل
تريد أن ينظر إليها غيره.. مع أن تطلعها لنظر غيره لا يزيدها إلا وبالا.. ولا تجني
منه إلا هباء.
لقد
ذكر القرآن الكريم هذا المرض من أمراض النفس، وحذر منه أشد تحذير، فقال في
المتصدقين المرائين بصدقاتهم:﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا
صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ
وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ
عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ
مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (264)﴾ (البقرة)
انظروا
كيف صور القرآن الكريم ثمرة تلك الأموال المبذولة.. إنها كالتراب الذي يكون على
الصخر، ثم يأتي المطر ليحيله صلدا فارغا من كل خير.
بل
صورهم القرآن الكريم بصورة أخطر من ذلك، حيث قرنهم بالشيطان مع أنهم يبذلون
أموالهم، فقال:﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النَّاسِ وَلا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ
قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً (38) وَما ذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكانَ اللَّهُ
بِهِمْ عَلِيماً (39)﴾ (النساء)
واعتبر
القرآن من امتلأ قلبه بحب الجاه والرياء منافقا يخادع الله، ولا يجني من يريد أن
يخدع الله
[471]
من خطبة الغزالي في مقدمة (كتاب ذم الجاه والرياء)، وهو الكتاب الثامن من ربع
المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين، وننبه إلى أن هذا الكتاب من مراجعنا الأساسية
في هذا المبحث.