كان خزانته فضل الله تعالى، فليس للعبد من
ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفني أو لبس فأبلى، فالتصدق بفضلات الطعام أولى من
التخمة والشبع.
وكان
بعضهم إذا تلا قوله تعالى :﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا
وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾ (الأحزاب) قال: (عرضها
على السموات فأبت، ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه كان ظلوماً لنفسه جهولاً بأمر
ربه.. فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم فأصابوا آلافاً فماذا صنعوا
فيها؟ وسعوا بها دورهم وضيقوا بها قبورهم، وأسمنوا براذينهم وأهزلوا دينهم،
وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان يتعرضوا للبلاء وهم من الله في
عافية، يقول أحدهم تبيعني أرض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا، يتكئ على شماله ويأكل من
غير ماله، حديثه سخرة وماله حرام حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال: يا
غلام ائتني بشيء أهضم به طعامي، يالكع أطعامك تهضم؟ إنما تهضم دينك، أين الفقير
أين الأرملة أين المسكين أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم؟)
قال
رجل من الحاضرين كان بادي السمنة: يا لله كم كانت غفلتنا عظيمة.. لقد تثاقلت بنا
بطوننا، فلم نربح لا الدنيا ولا الآخرة.
قال
آخر: والله ما كنت أظن أن الجوع إلا مرض من الأمراض وآفة من الآفات حتى حدثتنا
حديثك هذا.
قال
آخر: ويكأن الجوع خزانة من خزائن فضل الله من بها على عباده، ولكنهم لا يعلمون.
قال
عيسى: صدقت.. وقد قال بعض الصالحين في هذا: (الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد،