ولكن الذي نريده من حديثنا، وهو ما أراده
القرآن الكريم، وأراده جميع الأنبياء والأولياء، وهو ذم الركون إلى الدنيا والتثاقل
إليها.. فالدنيا التي اجتمع كل أولئك الشهود على ذمها ليست دنيا الصالحين، وإنما
هي دنيا أهل الهمم الدنيا، الهمم التي تقصر نظرها على نصيبها المحدود غافلة عن
نصيبها غير المحدود.
هي
دنيا الذين اشتغلوا بما رأو من عاجل النعيم عن آجله، فانهمكوا ينتهزون فرصة العمر
في استيعاب ما استطاعت لهم قواهم من أصناف اللذات.
والنصوص
المقدسة لا تعيب على هؤلاء ما انهمكوا فيه من أصناف النعيم، بل تعيب عليهم اشتغال
أنفسهم وهممهم به عن التدبر فيما بعده.. قال تعالى :﴿ وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا
حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ(29)﴾ (الأنعام)، وقال :﴿
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا
يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ(86)﴾ (البقرة)، وقال:﴿
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي
الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ(200)﴾ (البقرة)، وقال :﴿
الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ
الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا
كَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ(51)﴾ (الأعراف)، وقال :﴿ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ
الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ(3)﴾ (إبراهيم)، وقال :﴿ إِنْ
هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ
بِمَبْعُوثِينَ(37)﴾ (المؤمنون)، وقال :﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا
أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا
يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)﴾ (القصص)، وقال :﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ
الدُّنْيَا (16)﴾ (الأعلى)، وقال :﴿ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38)﴾
(النازعـات)