يلحقه، لا ليتملكه ويأخذه، فجهل
رسمه وظن أنه قد وهب ذلك فتعلق به قلبه لما ظن أنه له، فلما استرجع منه ضجر وتفجع،
ومن كان عالماً برسمه انتفع به وشكره ورده بطيب قلب وانشراح صدر، وكذلك من عرف سنة
الله في الدنيا علم أنها دار ضيافة سبلت على المجتازين لا على المقيمين ليتزودوا
منها وينتفعوا بما فيها كما ينتفع المسافرون بالعواري، ولا يصرفون إليها كل قلوبهم
حتى تعظم مصيبتهم عند فراها.
***
لست
أدري كيف ثارت في نزعة الجدل، فرحت أقطع حديثهم بقولي: ولكن ما تقولون.. ألم
تسمعوا قوله تعالى وهو يجمع لعباده المؤمنين بين ثواب الدنيا وثواب الآخرة، لقد
قال :﴿ فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)﴾ (آل عمران)
بل
إنه يذكر النماذج الرفيعة من أوليائه وأصفيائه الذين رزقوا من الحظوظ مالم يرزقه
أهل الدنيا أنفسهم، ومنها حظ الجاه الذي وهب للمسيح ، قال تعالى
:﴿ إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ
مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)﴾ (آل عمران)
ومنها
نموذج إبراهيم الذي جمع له بين الحسنتين حسنة
الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿ وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي
الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122)﴾ (النحل)
وقد تأملت
القرآن الكريم، فوجدت أن هذه النعم والحظوظ التي من الله بها على أصفيائه ليست
خاصة بهم، بل هي قانون من قوانين الله وسنة من سننه، قال تعالى :﴿ مَنْ كَانَ
يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (134)﴾ (النساء)